كانت ترتيبات المسابقة تسير في اتجاه محدد،
لكن ترتيبات القدر اختارت سيناريوهات أخرى..
المكان : مدرسة … والزمان قبل 3 أيام فقط من تنظيم مسابقة ختم الدروس الابتدائية- كونكور
ودع سيدي زملاءه المدرسين، مبديا أسفه على عدم مشاركته في سير المسابقة التي ظهر اسمه عضوا في لوائح رقابتها، بمركز سيتولى مديره رئاسته..
كان الوداع صعبا، ولكن في حب مريم تتذلل الصعاب، ولقد وعدها وهو في طريقه للوفاء بوعده..
عاد سيدي إلى المنزل المتواضع الذي يستآجره في القرية رفقة بعض زملائه، أخذ يرتب أغراضه ومن بينها تلك الحزمة “توكه”، التي تستخدم كلعبة تقليدية” أم اديار او اكرور “، التي جمعها ثم صبغتها له إحدى أمهات التلاميذ بعناية،
تفحصها وعلى محياه تسللت ابتسامة بسيطة، حين فكر في الفرحة العارمة التي ستتلقاه بها محبوبته المدللة، مريم ، التي وعدها بجلبها لها، والتي وعدها كذلك بأنه هو من سيوصلها إلى مركز امتحانها حيث ستخوض غمار “كونكور “
في المساء، وبعد الفراغ من ترتيب اغراضه، يمم سيدي وجهه نحو الطريق الفرعي، الذي سيسير بجواره نحو كيلومترين قبل الوصول إلى طريق الأمل، ومن ثم سيستقل سيارة أجرة توصله إلى وجهته، إلى نواكشوط..تلك المدينة التي يعشقها و لم يبخل جهدا في الدخول إليها، وكل مرة كانت”ضرورة عمل” تمنع من ذلك حسب ما تقول الجهات الوصية..
سيدي، الشاب الثلاثيني، والد طفلة وولدين، لم يبلغا بعد السبع سنوات، مدرس في قرية نائية ، يحدوه الأمل في تحقيق رغبة وحيدته مريم، ذات الأحد عشر ربيعا، خصوصا وأنه سبق وان تعهد لها بأنه سيحضر حفل تكريم أقامته مدرستها بمناسبة فوزها بأعلى معدل في المسابقة الماضية على مستوى نواكشوط…
ولم يحضر لأن زميلا له كان مريضا، واستدعى منه ذلك أن يعوض غيابه في اليومين اللذين لا يعمل فيهما..
وقف سيدي على الطريق نحو ساعة يشير تارة ويلوح أخرى، إلى أن حالفه الحظ، وتوقفت له حافلة صغيرة، لم يجد فيها سوى مكانا في الأعلى مع الأمتعة، وبعض من الركاب…
انطلقت الحافلة مسرعة تتجاذبها منعطفات الطريق ومطباته، حتى تجاوزت مدينة أبي تلميت، بعد الفجر، كان السكون شبه سيد الموقف، إلا من شخير رفاقه الذين اتخذوا لأنفسهم مستقرا في حِمى الأمتعة، فركنوا إليها علها تتحمل عنهم شيئا من مشقة الرحلة…
وفي وقت لم يطل كثيرا انتبه سيدي على صوت المنبه القوي، الصادر من الشاحنة الكبيرة التي حولت ظلام الفجر إلى ضوء شبيه بضوء الشمس وقت الزوال، لتترنح الحافلة الصغيرة يمنة ويسرة، ويفقد سائقها السيطرة عليها، فترتمي في أحضان الشاحنة، فتدكها ويتطاير من على ظهرها ومن بينهم سيدي،
سيدي الذي حرمته غفوة السائق وحفرة في الطريق، من أن يحضر مشاركة ابنته الوحيدة في مسابقة ختم الدروس الابتدائية رحمه الله.
زر الذهاب إلى الأعلى