الرأي

الذاكرة الأخلاقية للوطن.. من يخلدون ومن ينسَون

الدكتور الخرشي المصطف حمادي

تمرُّ السنون الهجرية كما تمرُّ السحب على جبين السماء؛ لا يبقى منها إلا ما علق بالروح من أثر، وما استقر في الوجدان من ذكر، وما تركته الأيدي النبيلة من بصماتٍ عصيّةٍ على المحو. فالعمر في حقيقته ليس تعاقب الأيام، وإنما هو حصيلة المواقف، وذاكرة المعاني التي تنتصر على النسيان.

وفي هذا العالم الذي تزداد فيه الفردانية ضراوةً، حتى غدا الإنسان يخشى الإنسان أكثر مما يخشى تقلّبات الزمن، ينشأ في النفس سؤالٌ موجع: من الذي يمكن الركون إليه حين تشتد العواصف؟ ومن الذي يبقى وفياً حين تتراجع المصالح وتنكشف الأقنعة؟

إن المرء حين يحدّق مليّاً في هذا الزحام البشري الهائل، يكتشف أن كثرة الوجوه لا تعني كثرة الرجال، وأن وفرة الأسماء لا تعني وفرة القيم. فكم من شخصٍ يملأ الفضاء حضوراً، فإذا امتحنته الأيام وجدته خواءً يتردد صداه في الفراغ، وكم من رجلٍ يمرّ في صمتٍ فلا يكاد يُرى، لكنه يترك في حياة الناس من النور ما تعجز عنه الخطب والشعارات.

ومن أولئك الذين آثروا جوهر الفعل على صخب القول، أخوَيَّ الكريمان: سيد عالي بن الطيب، وحمادي بن الطالب؛ رجلان لا يُقاس فضلهما بما أنجزاه من أعمال فحسب، بل بما حملاه من همٍّ عام، وما بذلاه من أنفسهما في سبيل وطنٍ أثقلته الأوجاع، وأرهقته سنوات الانتظار.

من يعرفهما لا يكتشف مجرد كفاءةٍ إدارية أو براعةٍ هندسية، بل يطالع نموذجاً للإنسان حين يتسامى على أنانيته، ويتحوّل إلى قيمةٍ أخلاقيةٍ تسير بين الناس. ففي زمنٍ أصبح كثيرون يتعاملون مع الوطن باعتباره فرصةً للأخذ، اختار هذان الرجلان أن يكونا من أهل العطاء؛ وفي زمنٍ يزداد فيه الحرص على المكاسب الشخصية، وسّعا دائرة اهتمامهما لتشمل أحلام الآخرين وآلامهم.

وما أشد حاجة المجتمعات إلى إعادة ترتيب سلّمها القيمي؛ فليست الكارثة في ندرة الأخيار، بل في عجز الناس عن تمييزهم. إن الماكر كثيراً ما يتزيّن ببلاغة القول، ويختبئ خلف ستائر الحيلة، ويمنح الوعود كما يمنح السرابُ الماءَ للعطاش، بينما صاحب المروءة الحقيقية يظل منشغلاً بالفعل حتى لا يجد وقتاً لتسويق نفسه.

ذلك لأن الفضيلة بطبعها هادئة، لا تصرخ لتُسمع، ولا تتوسّل التصفيق لتُرى. أما الزيف فيحتاج دائماً إلى الضجيج ليستر هشاشته.

ولهذا فإن من واجب الكتّاب والشعراء وأصحاب الرأي أن يكونوا حرّاس الذاكرة الأخلاقية للمجتمع؛ يفرزون المعادن من الخبث، ويقيمون الفواصل بين من يبني الأوطان ومن يستهلكها، وبين من يجعل من المنصب مغنماً، ومن يجعله تكليفاً ومسؤولية.

فالأمم لا تنهار حين تفتقر إلى الثروة وحدها، وإنما تنهار حين تفقد قدرتها على تكريم أصحاب الفضل، وحين تضع الشريف والصعلوك في ميزانٍ واحد. أما إذا عرفت لأهل الإحسان قدرهم، وخلّدت سيرتهم، فإنها تكون قد وضعت لبنةً جديدة في بناء مستقبلها.

ولذلك فإن ذكر سيد عالي بن الطيب وحمادي بن الطالب ليس احتفاءً بشخصين، بل احتفاءً بمعنىً أوسع: معنى الوفاء للوطن، ونبل الخدمة العامة، والإيمان بأن الإنسان يمكنه أن يكون غيمةً تمطر خيراً، حتى في أكثر الأزمنة قحطاً، وأن يكون نوراً صغيراً، لكنه كافٍ لأن يدلّ التائهين على الطريق.

حد يخوت باذل المعروف أعارف شي للمنكوبين،والوطن حقيقة عند أداير ايديه أرى اضعاف،أطارح بال للناس،مايالت يساو امع حد راخي، أهارب ،أأناني ،أماكر،أحد حد راص،والوطن ماه راص قاي عندو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى