| القانون أداة لتطبيق الشريعة ، وليس ندا لها كما هو المزعوم..
_____
ثمة خللٌ في الوعي العام، لدى بعض العلماء والباحثين والفاعلين في المجال العام، مردّه إلى اضطرابٍ في ترتيب المفاهيم؛ إذ تختلط الوسائل بالمقاصد، والفروع بالكليات، والجزئيات بالإطار الكلي الذي تنتظم فيه، حتى يغدو القانون في الوعي المقابل للشريعة، مع أن العلاقة بينهما ـ في كثير من مجالات التنظيم الاجتماعي والاقتصادي ـ لا تقوم على الندية أو التعارض، وإنما على اختلاف الوظيفة والمستوى.
فالشريعة في أفقها الكلي منظومةٌ من القيم والأحكام والمقاصد، غايتها إقامة العدل، وحفظ مصالح الإنسان، وصيانة الضروريات التي بها تستقيم الحياة: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وما يتفرع عنها من حفظ الحقوق والحريات والأعراض واستقرار المعاملات والعلاقات الاجتماعية.
أما القانون فهو من أدوات تنزيل هذه المعاني في المجال المؤسسي؛ إذ يحوّل جملةً من المبادئ والقواعد العامة إلى أحكام وإجراءات ملزمة، تضبط العلاقات، وتمنع التعدي، وتنظم المصالح المتشابكة، وتحقق قدرًا من العدل والاستقرار في الواقع.
ومن هنا، فالقانون لا يُقاس بمقدار مطابقته الحرفية لكل جزئية فقهية، وإنما يُنظر إليه أيضًا من جهة وظيفته في تحقيق المقاصد التي جاءت الشريعة لحمايتها.
وقد يكون القانون، في بعض المجالات، هو الوسيلة الأكثر قدرة على نقل المقصد الشرعي من دائرة المبدأ المجرد إلى دائرة التنظيم الاجتماعي الفعلي؛ فحفظ المال، مثلًا، لا يتحقق بمجرد تقرير حرمته، وإنما يحتاج إلى مؤسسات وعقود وإجراءات وقواعد إثبات وتنفيذ ورقابة، وهذه كلها من مقتضيات تنزيل الحكم في الواقع.
والإشكال الأعمق يظهر حين تُنتزع بعض الجزئيات عن سياقها الكلي، ثم تُجعل معيارًا وحيدًا للحكم على النظام بأكمله.
فليس كل حكم جزئي مستويًا في الرتبة مع المقاصد الكلية والقواعد العامة، ولا كل تطبيق حرفي لجزئية معينة يؤدي بالضرورة إلى تحقيق مراد الشارع منها.
وقد قرر الشاطبي في «الموافقات» أن النظر الفقهي لا يستقيم بتجزئة الأدلة والمصالح، وإنما باعتبار الكليات والجزئيات معًا، وردّ الفروع إلى أصولها، والنظر في مآلات الأفعال ونتائجها.
ولهذا قد تتزاحم في الواقعة الواحدة دلالة جزئية مع قاعدة كلية، أو مصلحة خاصة مع مصلحة عامة، أو صورة حكم مع الغاية التي شرع الحكم لتحقيقها؛ وهنا لا يكون الفقه الرشيد أسيرًا لظاهر الجزئية مع إهدار البناء الكلي للشريعة، وإنما يبحث عن الوجه الذي يحفظ انتظام المنظومة كلها، ويمنع أن يتحول تطبيق جزء من الشريعة إلى تعطيل لمقصد أعظم من مقاصدها.
ومن ثم، فإن تطبيق القانون لا يعني ـ من حيث المبدأ ـ الابتعاد عن الشريعة، كما أن الالتزام بالشريعة لا يعني بالضرورة رفض القانون بوصفه مفهومًا أو أداةً.
المسألة في حقيقتها تتعلق بمصدر القاعدة القانونية ومضمونها وغايتها، ومدى انسجامها مع العدل والمصلحة والقيم والمقاصد الشرعية. فحيث يكون القانون أداةً لحفظ الحقوق، وصيانة الأموال والأعراض والأنفس، وتنظيم المعاملات، ومنع الظلم والفوضى، وإقامة العدل بين الناس، فإنه يؤدي وظيفةً قريبة من الوظيفة التي جاءت الشريعة لتحقيقها في المجال العام.
إن المعركة الحقيقية إذن ليست بين «القانون» و«الشريعة»، وإنما بين قانونٍ يحقق العدل ويحفظ المصالح، وقانونٍ يكرّس الظلم؛ وبين قراءةٍ للشريعة تستحضر كلياتها ومقاصدها ومآلاتها، وقراءةٍ تختزلها في جزئيات مبتورة عن سياقها ومقصدها.
فالشريعة أوسع من صورةٍ فقهية جزئية، والقانون أوسع من مجرد نصوص وضعية؛ والعبرة في النهاية بقدرة النظام المعياري على تحقيق العدل وصيانة الإنسان وتنظيم العمران، ضمن الأصول والقيم التي يقوم عليها.
وبهذا يتضح أن الوسيلة لا ينبغي أن تُخاصم المقصد، وأن الجزء لا يجوز أن يُفهم على حساب الكل؛ إذ إن سلامة النظر الشرعي تقتضي أن تُقرأ الجزئيات في ضوء الكليات، وأن تُفهم الوسائل بقدر خدمتها للمقاصد، وأن يُقاس التنظيم القانوني بقدر ما يحقق من العدل والمصلحة وحفظ الحقوق، لا بمجرد اسمه أو اصطلاحه.
زر الذهاب إلى الأعلى