كتب أهل المجال من صحفيين وساسة ومفكرين عن سبع سنوات من حكم ولد الغزواني ما يجعل أصحاب الرأي من المتطفلين على التدوين في كفاية من أمرهم. وبما أنني لست قادرة على تحليل تجربة سياسية، فسأكتفي بمشاركتكم تصوري الشخصي لما عايشته من رؤساء.
أدركت السنوات الأخيرة من حكم معاوية وأنا طفلة، فارتسمت في ذهني صورة الرئيس الملك؛ الذي تنعم حاشيته بجاه السلطة ومال الدولة دون رقيب، ويخاف الناس بطش شرطته، ويتسابقون إلى التقرب من حاشية حاشيته. كان الجميع يتحدث عنه بين ناقم ومعجب.
أما فترة المجلس العسكري، فكانت فترة الأحلام الكبيرة. تحدث الجميع عن بطولة الجنرالات الذين أنقذوا موريتانيا، ووعدوا بتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة تعمل على بناء موريتانيا الجديدة. كان ذلك قبل أن يتدخل أولئك الجنرالات لصالح مرشح قدموه إلى القبائل، التي لم تتردد في دعمه، رغم أنه لم يكن معروفا حينها في الساحة السياسية.
كان تدخلهم في العملية الانتخابية أول صدمة للحالمين، لكن الأمل لم يكن قد انطفأ بعد. فجاءت فترة المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله، التي ظلت، رغم كل ما أثير حولها، ورغم سقف توقعات المواطنين، تجربة ديمقراطية وليدة، قبل أن يخرج أحد الجنرالات مخاطبا الشعب بعبارة: “مواطني الأعزاء”، ليعلن، عبر البيان رقم واحد الذي سئمت الآذان سماعه، وفاة تلك الديمقراطية.
ومع ذلك، كان خطاب الجنرال مقنعا لفئة من الشعب رأت فيه المخلص من شبح الفساد الذي ما فتئ يعبث بكيان الدولة. وتميزت السنوات الخمس الأولى من عشرية ولد عبد العزيز بإنجازات كبيرة، قياسا إلى دولة اعتادت ندرة الإنجاز وضعفه، وإن لم تكن قريبة من توقعات الحالمين بالقضاء على النهب والمحسوبية. ومع ذلك، أصبح الفساد تهمة يعاقب عليها القانون، وسجن بموجبها أفراد، واستردت أموال عمومية، وإن كان ذلك نقطة في بحر النهب الممتد.
أما السنوات الخمس الأخيرة من حكمه، فكانت أقل إنجازا وأكثر إحباطا للرأي العام، حتى بات كثيرون يحلمون بتفادي المأمورية الثالثة، ولو كان الرئيس القادم أقرب المقربين إلى ولد عبد العزيز. فعلى الأقل، ستستفيد الدولة من “طربة الراعي”، وسيخاف المفسدون من القائد الجديد، إن لم يقم بإصلاح جذري من الداخل يدفع عجلة التنمية، مع الحفاظ على الأمن والاستقرار.
خرج ولد الغزواني إلى الشعب بخطاب مفصل أسماه “تعهداتي”، وشرح لهم سبب التسمية، وأن للعهد عنده معناه، وحدثهم بما من الله عليه به من تربية، فتوقع البعض أنه جاد، أو أنه على الأقل أحرج نفسه.
ثم جاءت جائحة كوفيد، فكانت فرصة يبرر بها تعثر برنامجه حتى يرتب أوراقه. لكن حكوماته أغرتها مساحة التعاطف الشعبي والصبر على الظروف، فأدمنت الأزمات، وصارت تتصيد كل صراع في ركن من أركان الأرض، وتتفاعل معه بأضعاف ما ينبغي، وقبل أوانه أحيانا، ثم تعلق عليه كل إخفاق، إلى أن يظهر مبرر جديد.
ووصلت حكومة ولد الغزواني، في نظري، إلى سياسات ما بعد الفشل، فأصبحت تبحث عن كل ما يخنق المواطن في معاشه وحريته، علاوة على الأوضاع المزرية للتعليم والصحة والخدمات الأساسية، كالماء والكهرباء. ونحن على هذه الحال، لم يعد المواطن معنيا بالمشاريع الكبرى، إن وجدت أصلا، وبات اهتمامه بالسياسة منحصرا في الخوف من المأمورية الثالثة، والخوف أكثر من خلف الرئيس، لأن تجربة الخلافة من الدائرة نفسها لم تكن محفزة.
وإذا أردت تلخيص تصوري لحكم هذا السيد، بناء على سبع سنوات من عشريته، فسأقول إنها جمعت مساوئ الرؤساء السابقين، مع بعض الإنجازات المجهرية، كتوسيع التأمين الصحي على حساب جودة الخدمة التي لا تحتاج، في الأصل، إلى مزيد من الرداءة، وكالمعونات الشهرية الموجهة إلى الفئات الأكثر فقرا، والتي لا تزال كلفتها ومردوديتها على الفرد والمجتمع محل تساؤل.
وفي السنوات الثلاث المتبقية، نقول لفخامته: إن موريتانيا تحتاج إلى قليل من الرحمة. فالرئيس الذي يشرف، بحياد، على انتخابات شفافة تتنافس فيها الكفاءات الوطنية، ويسلم السلطة إلى رئيس منتخب، دون تدخل من وزير أو شيخ قبيلة، سيغفر له أبناء موريتانيا المخلصون كثيرا من زلاته، ولن يبخسه التاريخ هذا الإنجاز، إن لم يخلده بطلا قوميا.
زر الذهاب إلى الأعلى