تقارير

رسالة عزيز لغزواني.. استجداء من وراء القضبان لرفيق الأمس أم تحدّ صريح لخصم اليوم؟

أعاد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز خلط أوراق المشهد السياسي والقضائي في البلاد، بعد رسالة مفتوحة وجّهها إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حملت نبرة مزدوجة بين الشكوى الحادة والتحذير السياسي، لتفتح بذلك الباب مجددًا أمام سؤال ظل حاضرًا منذ سقوط “عشرية عزيز”: هل ما يجري للرجل تصفية حسابات سياسية أم محاسبة قضائية ؟

الرسالة التي نشرتها الناشطة لعزيزه بنت البرناوي على صفحتها بالفيسبوك، جاءت محمّلة باتهامات مباشرة للرئيس غزواني بالوقوف خلف ما وصفه ولد عبد العزيز بـ“المهزلة القضائية”، قائلا إن الهدف منها هو تحطيمه سياسيًا وتجريده من ممتلكاته وإبعاده نهائيًا عن الحياة العامة.

الرئيس السابق، المسجون منذ سنوات بعد إدانته في ملفات تتعلق بالإثراء غير المشروع والتربح من صفقات الدولة واستغلال النفوذ خلال عشريته، حاول في رسالته تقديم نفسه بوصفه “ضحية استهداف سياسي”، مؤكدًا أن القضاء لم يثبت عليه اختلاس “أوقية واحدة” من المال العام، وأن الأحكام النهائية برأته من تهم الفساد وتبديد الأموال العمومية الواردة في “ملف العشرية”.

لكن أخطر ما حملته الرسالة كان تأكيد عزيز أن الرئيس غزواني قدّم له أموالًا وسيارات بعد خروجه من السلطة، في إشارة قد يفهمها كثيرون على أنها محاولة لإحراج الرئيس الحالي أو توريطه أخلاقيًا وسياسيًا في الملف.

صداقة السلطة.. من التحالف إلى القطيعة

ولسنوات طويلة، بدا الرجلان وجهين لسلطة واحدة؛ فغزواني لم يكن مجرد رفيق درب لعزيز، بل كان أقرب حلفائه العسكريين والسياسيين، كما أنه وصل إلى الرئاسة بدعم مباشر من ولد عبد العزيز نفسه سنة 2019، قبل أن يتحول التحالف سريعًا إلى واحدة من أكثر القطيعات السياسية إثارة في تاريخ البلاد الحديث.

رسالة ولد عبد العزيز الأخيرة بدت للكثيرين محاولة لإعادة تشكيل صورته لدى الرأي العام، خصوصًا مع تصاعد خطاب المظلومية داخل بعض الأوساط الشعبية الداعمة له، والتي ترى أن الرجل “يدفع ثمن صراعات سياسية” أكثر من كونه يُحاسب على ملفات فساد.

شارع منقسم.. بين التعاطف والغضب

الرسالة فجّرت موجة واسعة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، وكشفت عن انقسام حاد داخل الشارع الموريتاني بين من يرى في عزيز “ضحية تصفية سياسية”، ومن يعتبره مسؤولًا عن ترسيخ منظومة الفساد التي يشكو منها اليوم.

المدون عمر ولد زيد كتب متعاطفًا:
“لا يخفى على أحد أنك مستهدف سياسيًا، والجماعة تصفي معك الحسابات”، داعيًا الله أن “يعود رئيس الإنجازات العملاقة”، وفق تعبيره.

أما بشير كونين فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن “كل ما يتعرض له الرئيس السابق من ظلم سببه غزواني”، بينما كتب بشير ولد حمزه: “أطلقوا سراح القائد والبطل”.

وتكررت عبارات مثل “فك الله أسره” و”موريتانيا ضاعت بعدكم” في عشرات التدوينات، في مؤشر على استمرار حضور عزيز داخل جزء من الرأي العام، خصوصًا في الأحياء الشعبية وبعض الأوساط المرتبطة بفترة حكمه.

في المقابل، جاءت ردود أخرى قاسية وحادة.
المدون دياهي سيدي عثمان تساءل: “ألا يمل أبدًا من التطاول على القانون والقضاء معًا؟”، بينما كتب محمد مصطفى ساخرًا: “من أين لك 29 مليار؟”.

أما الشيخ أحمد سيدي داه فشن هجومًا لاذعًا على الرئيس السابق، معددًا ما قال إنها ممتلكات ضخمة بحوزته تشمل عقارات وشركات وأراضي وحسابات بنكية، معتبرًا أن الحديث عن المظلومية “لا يمحو سنوات النهب والثراء الفاحش”.

المدون بلال مسعود بدوره كتب تدوينة مطولة اعتبر فيها أن ولد عبد العزيز “يحاول ارتداء ثوب الضحية”، مضيفًا أن الشعب “لم ينس سنوات الفساد ونهب المال العام”، وأن الرسائل العاطفية “لا تمحو ذاكرة شعب”.

هل يخاطب غزواني.. أم الشارع؟

ورغم أن الرسالة وُجهت رسميًا إلى الرئيس غزواني، إلا أن الكثيرين رأوا أن المخاطَب الحقيقي قد يكون الرأي العام أكثر من ساكن القصر الرمادي، صديق الأمس وخصم اليوم.

فاللغة العاطفية، واستحضار “الظلم” و”المؤامرة”، والتذكير بالعلاقة الشخصية القديمة مع غزواني، كلها عناصر توحي بمحاولة استعادة التعاطف الشعبي، أو على الأقل إعادة خلط السردية الرسمية التي قُدمت للرأي العام منذ بدء محاكمته، ولعلها محاولة من نوع آخر، حتى ولو كلفت التنازل عن بعض المبادئ، فالمعلوم أن عزيز يعرف عنه انتهاج سبيل الكبرياء، فلن تدفعه أزمته إلى استجداء غزواني، أو على الأقل هذا ما يفهم من حديث وصلابة عزيز.

كما أن تلميحات من قبيل “غزواني يعلم هذا التحذير جيدًا”، وفق ما كتب المدون محمد الزناكي، وعبارة “يبدو أن عزيز ما زال ساكتًا على الكثير” التي كتبها سيدي المختار عالي، أوحت بأن الرسالة تحمل أيضًا رسائل مبطنة تتجاوز مجرد التظلم القضائي.

ولعل من المنطقي ، وفي خضم هذه الأحداث، أن نتساءل: هل يمثل ملف ولد عبد العزيز لحظة تأسيس فعلية لمحاسبة الرؤساء وكبار المسؤولين؟ أم أنه مجرد فصل من صراع نفوذ داخل النظام نفسه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى