الرأي

مأمورية ثالثة لجرافة ولد الحبيب

سيد أحمد الخضر

عند الواحدة ظهر اليوم الثلاثاء، اتصلت بصاحب ورشة أشغال في وسط مدينة كيفة، ووجهت إليه لومًا شديدًا على تأخره في إنجاز بعض الأعمال التي عهدت إليه بها.

وقد رد الرجل بأن الكهرباء تنقطع بشكل دائم، وأنه من الصعب في هذه الأيام الحصول على المحروقات، وأن الحياة في المدينة عبارة عن جحيم بكل ما في الكلمة من معنى.

تقع كيفة في الشرق الموريتاني، وهي ثاني أكبر مدينة في البلاد، وعاصمة لولاية لعصابة التي يبلغ تعداد سكانها 430 ألف نسمة، وتتجاوز مساحتها 36 ألف كيلومتر مربع.

وهذه المدينة المترامية الأطراف تعيش عطشًا مزمنًا، والكثير من سكانها يصطفون في طوابير للحصول على ليترات قليلة من المياه الصالحة للشرب.

لكني واجهت صاحب الورشة بوجود تناقض بين وصفه للوضع وبين حديث رئيس جهة ولاية لعصابة، المهندس المحترم محمد محمود ولد الحبيب.

لقد تحدث السيد رئيس الجهة مؤخرًا أمام السيدة الأولى، الدكتورة مريم فاضل الداه، أثناء زيارتها لمدينة كيفة.

كان الطبيعي أن تبقى زيارة السيدة الأولى ذات طابع اجتماعي وثقافي، فهي لا تحمل صفة سياسية ولا إدارية.

لكن رئيس الجهة أتى بورقة متجعدة، وقرأ منها ما تيسر له من شكر السيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

وقال، فيما قال، إن الإنجازات التنموية والاجتماعية عميقة وشاملة، وإنها أنصفت الجميع وآزرت المتعففين.
ثم أومأ إلى الورقة المتجعدة، وقرأ منها فصلا حول النفاذ إلى الخدمات الأساسية، من قبيل المياه والطاقة، إلى جانب تشغيل الشباب.
وقد أطلق نداءً للرئيس بضرورة الحنث باليمين الدستورية، من أجل البقاء في السلطة لمأمورية ثالثة، فذلك هو الحل الوحيد للتنمية والتشغيل والصحة والرفاه والرخاء والطاقة والمياه.

لكن صاحب الورشة علق قائلًا: «أصلًا واجعة»، مشددًا على أن حديث رئيس الجهة لا يمثل المدينة ولا سكان الولاية، بل يعطي صورة زائفة عن الحقيقة.
فلماذا إذن تحدث رئيس الجهة عن النعيم المقيم في مدينة يقول سكانها إنهم يتقلبون في الجحيم؟

لقد احتار الفلاسفة قديمًا في تعريف العدم؛ فوصفه البعض بأنه «اللاوجود المطلق»، وقال فريق ثان إنه «انتفاء الوجود عن الشيء»، وذهب فريق ثالث إلى أن «العدم هو النفي الذي يظهر في صميم الوجود»”

وكل هذه التعريفات لا تفي بالغرض، لسبب بسيط هو أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولم يسبق لأي من هؤلاء الفلاسفة أن احتك بالعدم أو شاهده عن قرب.

لكن صاحب أي عربة حمار في مدينة كيفة يمكنه ببساطة تعريف العدم، دون الرجوع إلى سارتر أو ابن رشد.
يمكنه تلقائيًا الإشارة إلى المبنى الجديد الواقع على الجهة الغربية من الشارع المتجه شمالًا نحو مبنى الولاية.

إن أحدًا في عموم ولاية لعصابة كلها لم يسمع عن أي إنجاز أو أي مشروع لرئاسة الجهة.

وليس هذا انتقاصًا من السيد رئيس الجهة، الذي وصل إلى هذا المنصب بمعجزة لا ينبغي أن نحسده عليها.

رغم ذلك، نحن نتكلم عن شخص محترم جدًا، وكان قبل قليل يقرأ خطابًا طويلًا من ورقة متجعدة، ويرأس جهة تمتلك جرافة، ويتولى هو شخصيًا تأجيرها مقابل 15 ألف أوقية للساعة.

وإن شخصًا بهذه المواصفات لا يمكن أن يكون عدمًا، حتى وإن كان يرفض انتفاع مساجد ومقابر المدينة بخدمات الجرافة، رغم استعداد أصحابها لدفع أزيد من 15 ألف أوقية للساعة.

إنه موجود فعلًا، ولن نخوض في مفاهيم فلسفية أخرى لمعالجة هذه الإشكالية، من قبيل «الإنسان الزائد» أو «الوجود الزائف».
إن السياسة أقدر من الفلسفة على حل هذه المعضلة.
فنعم، لمأمورية ثالثة تمكّن المسؤولين من البقاء في مناصبهم، بغض النظر عما إذا كانت المدينة نعيمًا أو جحيمًا.
نعم لمأمورية تخول رئيس الجهة الاستمرار في تأجير الجرافة للشركات وأصحاب السدود.
صحيح أنه يرفض انتفاع المساجد والمقابر بخدمات الجرافة، لا عطاءً ولا تأجيرًا.
ولكن من واجبنا جميعًا، نحن الـ430 ألف نسمة، أن نطالب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالحنث باليمين، والعمل على تغيير الدستور، وتعطيل المؤسسات، والدخول في أزمة دستورية وأمنية.

إن هذه أثمان بسيطة جدًا في سبيل بقاء رئيس الجهة في منصبه، والاستمرار في تأجير الجرافة للشركات وأصحاب السدود مقابل 15 ألف أوقية للساعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى