اقتصادالرأي

الخطاب الرسمي الجديد بين واقعية التنفيذ في مواجهة “البيروقراطية” و”الثقافة الإدارية” المتجذرة

بقلم: الهادي أبوه

الواقع السياسي الموريتاني غالباً ما يصطدم بجدار صلب عند محاولة تحويل “الإرادة السياسية” إلى “نتائج ملموسة”.
لذلك يمكننا مناقشة واقعية بند “تقليص نفقات الدولة ومحاربة التبذير” من خلال النقاط التالية:

1. معضلة “اقتصاد الريع” والمصالح المتداخلة

البيروقراطية في موريتانيا ليست مجرد هيكل إداري، بل هي شبكة معقدة من المصالح، فتقليص نفقات التسيير (السيارات، الوقود، السفريات، المأموريات) يعني عملياً المساس بـ “الامتيازات غير المكتوبة” للطبقة الإدارية والسياسية التي تشكل قاعدة الدعم للنظام، لذلك من الصعب سياسياً فرض تقشف صارم على “النخبة الإدارية” دون المخاطرة بتململ داخل الأجهزة الحيوية للدولة، خاصة في ظل نظام يعتمد تقليدياً على ترضية الولاءات عبر الوظائف والامتيازات.

2. التناقض بين “الرقمنة” والإنفاق الورقي

تتحدث الحكومة غالباً عن التحول الرقمي كأداة للترشيد، لكن الواقع يظهر استمرار “التضخم الإداري”.
فرغم إدخال أنظمة مثل “رشاد” (Rachad) لتسيير النفقات، إلا أن المسالك الجانبية للإنفاق العمومي لا تزال واسعة.
محاربة التبذير تتطلب “ثورة رقمية” شاملة وشفافية مطلقة في الصفقات العمومية، وهو ما يصطدم ببطء الإجراءات البيروقراطية وتعقيداتها التي تخدم أحياناً ضبابية الصرف.

3. “لجان المتابعة” كحل أم كأزمة إضافية؟
أعلن الرئيس عن إنشاء لجنة وزارية لمواكبة تطورات الأسواق.

في الثقافة الإدارية المحلية، غالباً ما يكون إنشاء “اللجان” هو الطريقة المثالية لتمييع المسؤولية أو تأجيل القرارات الصعبة.
النجاعة تتطلب أجهزة رقابية مستقلة وقوية (مثل محكمة الحسابات والمفتشية العامة للدولة) تمتلك سلطة العقاب الفوري، وليس مجرد لجان وزارية تجتمع لرفع التقارير. البيروقراطية “تبتلع” اللجان وتحولها إلى روتين إضافي يستهلك وقتاً وجهداً دون نتائج جذرية.

4. الفجوة بين “النص” و”الممارسة” في الميزانية

يتم إقرار ميزانيات تقشفية نظرياً، لكن “الملاحق” و”الاعتمادات الإضافية” تظهر لاحقاً خلال السنة المالية.
هل تستطيع الحكومة الصمود أمام ضغوط “النفقات السيادية” والاجتماعية في سنة صعبة؟
الضغوط الاجتماعية (مثل مطالب زيادة الأجور أو دعم المواد الأساسية) تجعل خيار تقليص الإنفاق العام “مخاطرة سياسية” قد لا تستطيع البيروقراطية تحمل تبعاتها إذا أدت لتعطيل المرافق العامة.

الحكم النهائي على واقعية التنفيذ:
الدعوة الرئاسية وضعت “معياراً أخلاقياً” عالياً، لكن تنفيذها يصطدم بـ ثلاث عوائق:
– ثقافة “التبذير الاجتماعي”: التي ترى في مال الدولة “مالاً مشاعاً” يجب الاستفادة منه.
– غياب المحاسبة الصارمة: التلويح بالعقاب دون “نماذج” حقيقية لمسؤولين عوقبوا بسبب التبذير يفقد الخطاب زخمه.
– تداخل السياسي بالإداري: حيث تُستخدم نفقات الدولة أحياناً كأدوات للضبط السياسي.

الخلاصة: بدون “صدمة إدارية” (إقالات، إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات المترهلة، وصرامة في تنفيذ ميزانية 2026)، سيبقى بند التقشف مجرد “إعلان نوايا” لتهدئة روع المانحين الدوليين وامتصاص قلق الشارع، بينما تستمر الممارسة البيروقراطية في مسارها التقليدي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى