يأتي كتاب “معالم في تاريخ شنقيط، محظرة أهل كباد: النشأة والتأثير” ليملأ فراغًا في مسار توثيق تاريخ التعليم المحظري في بلادنا، ويعيد إلى دائرة الضوء سيرة بيت علم وتقى ظلّ منارة للقرآن والعلوم الشرعية لأجيال متعاقبة. ففي هذا المؤلف القيم، يجمع الأستاذ الداه محمد الأمين الولي بين دقة المؤرخ وصدق الشاهد، مقدّمًا عرضًا متماسكًا لنشأة هذه المحظرة العريقة وتطورها، وأوجه أثرها في محيطها الثقافي والديني والاجتماعي.
ليس الحديث عن محظرة أهل كباد حديثًا عن مؤسسة تعليمية فحسب، بل هو استحضار لتجربة معرفية وروحية متكاملة، قوامها الصلاح، والتمسك بالسُّنة، وخدمة الدين، ونشر العلم. وقد أحسن المؤلف إذ أبرز النماذج اللامعة من رجال هذه الأسرة ونسائها، في مختلف مجالات المعرفة والقيادة والإصلاح، وأبرز مكانة المحظرة في علوم القرآن والعقيدة والفقه، والأدب والشعر.
وفيهم يصدق قول الشاعر:
قومٌ كرامٌ كالكواكبِ في السما
أكرِمْ بهمْ من معشرٍ أبرارِ
همْ غرسُ ربِّ العالمينَ وحزبُهُ
وهمُ الهداةُ لمنهجِ الأخيارِ
ويمتاز الكتاب بجمعه بين التوثيق العلمي والملاحق النادرة، ومنها وثائق وكتابات شعرية أصيلة، أبرزها قصيدة توثيقية لمدافن شيوخ الأسرة، تعبّر عن امتداد إشعاعهم المكاني والمعنوي.
وفي الأخير لا أرى أجمل وأصدق من أبيات ابن دريد التي تنطبق جملة وتفصيلا على أهل كباد، بيت العلم والتقوى. رحم الله سلفهم وبارك في خلفهم آمين:
أهلاً وسهلاً بالذين أودُّهمْ
وأحبُّهمْ في اللهِ ذي الآلاءِ
أهلاً بقومٍ صالحينَ ذوي تقى
غرِّ الوجوهِ وزينِ كلِّ ملاءِ
يَسْعُونَ في طَلَبِ الحَدِيثِ بِعِفَّةٍ
وتَوَقُّرٍ و سَكِينَةٍ وحَيَاءِ
لَهُم المَهَابَةُ والجَلاَلةُ والنُّهَى
وفَضَائِلُ جَلَّتْ عَنِ الإِحْصَاءِ
ومِدَادُ مَا تَجْرِي بِهِ أَقْلاَمُهُمْ
أَزْكَى وأَفْضَلُ مِنْ دمِ الشُّهَدَاءِ
يا طالبي علمَ النَّبيِّ محمَّدٍ
ما أنتمُ وسواكمُ بسواءِ.
زر الذهاب إلى الأعلى