هذه المرة، لم يسعَ الصحفي إلى تدوين مشاهداته في المدينة والكتابة عن حيويتها وحركتها وجسورها وأهلها وهوائها وأهوائها.
كان عز الدين يحمل حقائب لا يراها أحد، ويبدأ حياة من الصفر، مشحونة بوجع الغربة والبعد عن مضارب العشيرة.
وقد أرادت إسطنبول ألا تضيف إليه عبئًا جديدًا، وهي تتغنج أمامه وتبدي له زينتها، من جسر السلطان سليمان القانوني غربًا إلى قلعة أيدوس شرقًا. لقد كتبت عنه القصص.
في مجموعته القصصية بعنوان «مكالمة فائتة.. حكايات عبر البوسفور»، التقى عبد الله عز الدين أبوبكر بأشخاص جاءوا من بلدان مختلفة، يحمل كل منهم حكاية تستحق أن تُروى.
بعض هؤلاء الناس جاء هربًا من حرب، وبعضهم بحثًا عن فرصة، وآخرون حملوا معهم أحلامًا أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
يقر أبوبكر بامتزاج الواقع بالخيال في القصص المشحونة بالغربة، وعندما استشعر كثافة المعاني الإنسانية والأبعاد الجمالية للمكان، ارتمى في أحضان إسطنبول، وسلّم لها القلم لتكتب، فكان فيما كان:
ينطلق القاص من عشرة شبان مصريين حملوا همَّ أم الدنيا معهم إلى شقة تقع في عمارة آيلة للسقوط. وكما يحدث في المشاريع السياسية في الاغتراب، لم تكن النهاية على قدر البداية.
لقد قالت المصالح كلمتها، وتم إغلاق القناة التي كانوا يعملون بها، وانتهى بهم المطاف على رصيف الانتظار.
ولعل البدء بمصر له رمزية ترك عز الدين للقارئ حرية التقاطها؛ فما تحمله مصر من ثقل عربي يعني أن الوجع المصري محوري، ومن الطبيعي أن تتداعى له سائر أجزاء الجسد العربي بالحسرة والألم.
لقد كانت شقة المصريين عامرة بالحيوية والنكتة، وفي النهاية آلت للسقوط، ليس بفعل التقادم، وإنما بحكم الخيبة التي تلقاها عبد الرحمن وعبد العليم القادم من الصعيد ومحمد وفوزي وغيرهم ممن تطابقت قصصهم ومصائرهم.
لقد كانت العين الصحفية قوية في هذا العمل؛ فالكاتب يعرف كيف يلتقط الشخصية من علامة صغيرة: علبة السردين، خاتم بعشرين ليرة، بائعة ماء على عكاز، كلب عجوز، صالون حلاقة… هذه التفاصيل هي التي تجعل الشخصيات مرئية.
وهذه القوة الصحفية جعلت عز الدين يلتقط «الزول» (الحبشي مؤقتًا) وسط زحمة الحضور الإيراني والتحفظ السوري.
لم يبتعد عز الدين كثيرًا عن شقة المصريين؛ فقد كانت القصة الثانية سحنة من النوبة ورذاذًا من النيل.
كان «أبو» متبتلًا في عزلته، رافضًا التواصل مع أي من التكتلات البشرية التي نشأت على عجل.
وكان كأنما يحمل معه أفريقيا في ضفائر شعره وألوان ملابسه، وكان يقيم متاريس حول هويته حتى لا يجرفها تيار البوسفور….
لفترة طويلة، اعتزل أبو العرب وهمومهم، وقدم نفسه على أنه حبشي مركب من ثقافتين: أميركية وأفريقية.
لكن عز الدين استخدم تقنيات الصحفي، وأماط اللثام عن الهوية الحقيقية لإبراهيم تاج السر، ليكشف أنه زول له ذكريات مع ست الشاي بجانب مدرسة الخرطوم الجديدة، ويطرب لأغنية مأمون سوار الذهب:
«أخوي تومي.. مو زول فشخرة ونضمي ووعود…»
وتحت عنوان «يعقوب السعودي»، اشتبك الصحفي الليبي مع الاغتراب الخليجي واليمني، ففاحت روائح الحنيذ والمندي والتوابل العربية، وحضرت أوجاع الغربة وتكاليفها وضرائبها.
لقد كان يعقوب يعيش مأزقًا بالغ القوة: جدة هي وطنه الوجداني، واليمن وطنه القانوني/الأصلي، وإسطنبول وطن الضرورة؛ ولذلك ليس «يمنيًا بما يكفي، ولا سعوديًا بما يكفي».
أما في «رحلة الثلج والسراب»، فاستدعى الكاتب فلسطينيًا من الشتات، يعيش بين بوسنيين في إسطنبول، ويريد ركوب الموج إلى غرب أوروبا، وفي وجدانه شيء من دير البلح وخان يونس.
لقد كان يحمل همًّا رباعي الأبعاد.
ثم واصل الكاتب العزف على أوتار الغربة والسياسة في بقية القصص: «القفص في رأسها»، «بائعة الماء»، «زواج شيخ»، «في شباك تهاني»، «الرفيق الأخير… بابلو»، «الحارس الليلي»، «عندما توقف صباح فخري عن الغناء»، و«عروس تحت الركام».
التنوع الاجتماعي كان سمة بارزة في «مكالمة فائتة»؛ فعز الدين لا يكتب فقط عن «المهاجر» بوصفه نموذجًا واحدًا، بل لدينا مصريون وسوداني ويمني وفلسطينيون وسوريون وروسية/داغستانية وأتراك، وفقراء وطلاب وعجائز ومحتالون وضحايا وحالمون.
كذلك نجح الكاتب في صناعة نهايات قصصية قابلة للبقاء في الذاكرة، مثل ما حصل في «عروس تحت الركام.
زر الذهاب إلى الأعلى