أحمد و علي، صديقان قدما إلى الدنيا في نفس اليوم، بفارق توقيت بسيط، وجمعهما ذات الشغف والتوجه في الطفولة، وحتى في المراهقة، وتشاء الأقدار أن تبقي على هذا الانسجام إلى حين..
والدتاهما عيشه و لعزيزه صديقتان وجارتان منذ أزيد من سنتين قبل ولادتهما، ما عزز العلاقة بينهما وجعل من الفتيين اليافعين صديقين مقربين، قلما يفترقان، حتى عندما استحوذت الألعاب الإلكترونية على قلب واهتمام أحمد، وقع ذات الشيء مع علي، ما جعل والده يرسله إلى محظرة قرآنية، لا تسمح له بزيارة الأهل إلا في الأعياد، وهي فرصة ترقبها أحمد، فرتب لمغامرة لم يسبق لهما أن خاضاها معا، وهو فعلا ما فعلاه في هذا العيد، في غفلة من عين رقيب الأجل، الذي يطلب ضالته ولا يخطئها بمشيئة الله..
توجه الصديقان إلى إحدى المحال المعروفة بوكالات تأجير السيارات، واستأجرا سيارة ومضيا نحو المجهول، نحو التمتع بالتفحيط أيام العيد، بل نحو أقدار حتمية ستقول كلمة الفصل، التي لم يحسب الفتيان لها حسابا…
وبما أن علي لا يجيد التفحيط كما يفعل أحمد الذي اعتاد ذلك مع زملائه، فقد كان دوره معظم الأوقات الجلوس بجانب أحمد، والاكتفاء بإثارة حميته وحماسه ليجد ويجتهد في العملية، أمام أنظار العشرات من المراهقين من الجنسين، الذين اجتمعوا على جنبات الشارع، يشجعون المتنافسين..
و لحكمة تغيب سوى عن الخالق، تسللت يد علي إلى الحزام، فربطه بإحكام في لحظة خوف من الطريقة التي يدفع بها أحمد السيارة إلى الميل حد الاتكاء..
وبعد صولات وجولات، ومع اشتداد الحماس يدخل مراهق آخر سيارة أخرى ويقترب من حلبة السباق، حيث سيارة أحمد، فينتبه أحمد لذلك، ويحاول -عبثا -تفادي التصادم، غير أن يد القدر كانت أسرع…
في مكان بعيد من المكان، تجلس عيشه ولعزيزه، تتبادلان الأحاديث، ولا يقطع ذلك المجلس إلا رنة هاتف لعزيزه، التي يتصل ابنها علي بصوت متقطع يختنق بفعل الألم والفقد، لتهب واقفة بعد أن يئست من سماع ما يقول، فلا تفيق من هول الموقف إلا على صوت آخر على ذات الهاتف :أنت والدته؟ -نعم،- لقد أصيب إصابة بليغة، ونحن في الطريق إلى المستشفى…وإلى ذلك الحد تسقط مولولة باكية، ما جعل صديقتها الثكلى تحاول جاهدة استفسارها ، وقد تملك الخوف فؤادها ، فكان الجواب سريعا، من رنة هاتفها، “توفي أحمد، لم نستطع إسعافه”…
هنا، تعجز الكلمات، وتعجز معها قلوب الأهالي، فيترنح الجميع في طريقهم إلى المستشفى، بعد الحادث الذي كتب نهاية صداقة دامت سبع عشرة سنة، وختم بطابع حزين حياة أحمد، وأبقى في قلب وذكريات صديق طفولته علي؛ جرحا لن يندمل إن كتب له البقاء، شفاه الله .
زر الذهاب إلى الأعلى