اقتصادتقارير

ثروة موريتانيا السمكية في قبضة الاتفاقيات.. فمن يضمن حق المواطنين منها؟

 

تحديث-نواكشوط
———
يدخل بروتوكول الصيد البحري بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي أسبوعه الأخير، وسط غموض بشأن مصير المفاوضات الرامية إلى تجديده، فيما يستعد الطرفان لاحتمال انتهاء العمل به في 14 نوفمبر الجاري دون اتفاق جديد. وبينما ينشغل المفاوضون بحجم المقابل المالي وحصص الصيد، يبرز سؤال أكثر إلحاحا بالنسبة للموريتانيين: ماذا بقي للمواطن من ثروة بحرية ظلت لعقود إحدى أبرز مزايا البلاد الطبيعية؟

ففي بلد يمتلك ساحلا غنيا بالأسماك يمتد لأكثر من 700 كيلومتر، لم يعد الحصول على السمك في الأسواق أمرا ميسورا كما كان يعهده كثير من المواطنين. ويشكو مستهلكون وباعة من تراجع المعروض وارتفاع الأسعار، حتى أصبحت أنواع من الأسماك بعيدة عن القدرة الشرائية لشرائح واسعة، في مفارقة بين وفرة الثروة في البحر وصعوبة وصولها إلى موائد السكان.

280 ألف طن مقابل 60.8 مليون يورو

بموجب البروتوكول الحالي، الذي دخل حيز التنفيذ في 15 نوفمبر 2021، يتيح الجانب الموريتاني لسفن من عشر دول أوروبية صيد ما يصل إلى 280 ألفا و50 طنا سنويا من الأسماك والروبيان والأصناف القاعية والسطحية والتونة، مقابل مساهمة مالية أوروبية تبلغ 60.8 مليون يورو سنويا، منها نحو 3.3 ملايين يورو مخصصة لدعم سياسة الصيد الموريتانية.

وتسعى موريتانيا، وفق ما أوردته صحيفة «لا فوث دي غاليسيا» الإسبانية، إلى رفع المقابل المالي إلى أكثر من 68 مليون يورو، مع مراجعة حصص بعض الأنواع، خصوصا الأسماك السطحية الصغيرة، التي قد تتراجع الحصة الأوروبية المخصصة لها من 225 ألف طن إلى 93 ألف طن سنويا.

لكن المفاوضات لا تتعلق بالأرقام وحدها؛ فخلف كل حصة صيد توجد موارد طبيعية يفترض أن تنعكس على الاقتصاد الوطني وفرص العمل والأمن الغذائي، لا أن تتحول إلى صادرات ومداخيل مالية دون أن يشعر المواطن بنصيب ملموس منها.

المواطن يدفع ثمن المفارقة

في تقارير ميدانية نشرتها وسائل إعلام خلال العامين الأخيرين، تحدث باعة ومستهلكون في نواكشوط عن ندرة بعض الأصناف وارتفاع أسعارها، فيما حمّل عاملون في القطاع الصناعي جزءا من المسؤولية للمصانع التي تستوعب كميات كبيرة من الأسماك، بما في ذلك ما يأتي من الصيد التقليدي، وتوجه جانبا منها إلى إنتاج دقيق السمك وزيته.

وفي أغسطس الماضي، رصد تقرير لـ«Le360» نقصا في المعروض بأسواق العاصمة وارتفاعا في الأسعار، مع انتقال عدد من الصيادين إلى موانئ الشمال بحثا عن مردودية أكبر من صيد الأخطبوط. كما نقل التقرير شكاوى بائعات ومستهلكين من أسعار لم تعد في متناول كثير من الأسر.

وسبق للتقرير نفسه أن أشار، في ديسمبر 2025، إلى شكاوى باعة من منافسة المصانع لهم على الأسماك، معتبرين أن استيعاب المنشآت الصناعية لكميات كبيرة يترك للسوق المحلية معروضا أقل وبأسعار أعلى.

وهكذا يجد المواطن نفسه أمام مفارقة مؤلمة: ثروة بحرية تستقطب الأساطيل الأجنبية والمصانع الموجهة للتصدير، بينما يتراجع حضوره في سوق يفترض أن يكون أول المستفيدين منها. ولا يعني ذلك أن الاتفاق الأوروبي وحده تسبب في هذه الأزمة، لكنه يجعل من الضروري تقييم أثر مجموع أنشطة الصيد والاتفاقيات الصناعية والتجارية على الكميات المتاحة للاستهلاك المحلي.

الاتحاد الأوروبي ليس الطرف الوحيد

ولا تقتصر الترتيبات التي تسمح للأساطيل الأجنبية باستغلال المياه الموريتانية على الاتحاد الأوروبي. فتقرير مبادرة الشفافية في مصايد الأسماك «FiTI» لعام 2024 أحصى خمسة اتفاقيات وترتيبات دولية تتيح لسفن أجنبية الوصول إلى المنطقة الاقتصادية البحرية الموريتانية، من بينها ترتيبات مع السنغال واليابان، إلى جانب اتفاقيات الصيد السطحي والتونة.

كما تتضمن اتفاقية التعاون الموريتانية التركية أحكاما تسمح للسفن التركية بممارسة الصيد في المياه الموريتانية، شريطة الحصول على التراخيص المطلوبة واحترام التشريعات الوطنية وخطط المحافظة على الموارد البحرية. وتفتح هذه الترتيبات، إلى جانب غيرها، بابا واسعا أمام استغلال الثروة من أطراف متعددة، ما يجعل الرقابة على إجمالي جهد الصيد والكميات المصطادة أمرا لا يقل أهمية عن التفاوض على المقابل المالي.

ولا تكمن المسألة في رفض التعاون مع الدول الأجنبية أو الاستثمارات في قطاع الصيد، بل في ضمان ألا يأتي ذلك على حساب الصياد الموريتاني والمستهلك المحلي، وألا تتحول المياه الوطنية إلى مصدر لتأمين أسواق الخارج بينما يواجه السكان صعوبة في شراء منتج يتوافر على مقربة من شواطئهم.

من يحمي حصة الموريتانيين؟

تفرض هذه المعطيات على السلطات الموريتانية تقديم إجابات واضحة بشأن الكميات التي تصطادها الأساطيل الأجنبية فعليا، وما يعود منها على الاقتصاد الوطني، ومدى احترام الحصص والقيود العلمية، وحجم ما يخصص للسوق المحلية. كما تطرح ضرورة مراجعة العلاقة بين الصيد الصناعي والتقليدي، وضبط نشاط مصانع دقيق السمك وزيته، وحماية حق المستهلك في الوصول إلى الأسماك بأسعار معقولة.

وتنص اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي على أن يقتصر صيد الأسطول الأوروبي على الفائض المسموح باستغلاله، بعد مراعاة القدرات الوطنية والاستناد إلى المشورة العلمية، كما تلزم موريتانيا بإتاحة معلومات عن الاتفاقيات الممنوحة للسفن الأجنبية والتراخيص والكميات المصطادة. وهي التزامات تجعل الشفافية في نشر البيانات ومراقبة التنفيذ جزءا أساسيا من حماية الثروة.

ومع اقتراب انتهاء البروتوكول الحالي، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في ما إذا كانت موريتانيا سترفع حصتها المالية من 60.8 إلى أكثر من 68 مليون يورو، أو ما إذا كانت السفن الأوروبية ستواصل نشاطها بعد 14 نوفمبر. فالأهم أيضا هو معرفة ما إذا كان أي اتفاق جديد سيضمن حصة أوفر للسوق المحلية، ويحمي الصيادين الوطنيين، ويحد من الاستغلال الذي يهدد استدامة الموارد.

فليس كافيا أن تحقق البلاد عائدات من ثروتها البحرية إذا ظل المواطن عاجزا عن شراء السمك، أو إذا أصبحت الأسواق المحلية آخر من يصل إليه خير البحر. والثروة التي لا يشعر بها أصحابها على موائدهم تظل عائدا ماليا لا يجيب وحده عن سؤال العدالة في استغلال الموارد الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى