تحقيقات

إبراهيم ولد الأدهم يعود إلى الواجهة.. تقرير فرنسي ومناشدة من زنزانة الإعدام

بعد سنوات من صدور حكم بالإعـ.دام في حقه، عاد الشاب إبراهيم ولد الأدهم إلى واجهة النقاش العام اليوم في موريتانيا، من خلال بث مباشر مطول قدم فيه روايته لجر.يمة قت.ل الشاب محمدو ولد برو، التي هزت نواكشوط مطلع عام 2019، مؤكدا أنه لم يشارك في ارتكابها، وأنه تعرض للتعذيب وانتزعت منه اعترافات تحت الإكراه، قبل أن يجد نفسه خلف القضبان محكوما بالإعـ.دام في جريمة يقول إنه بريء منها.

وفي معرض حديثه، أعلن ولد الأدهم دخوله في إضراب عن الطعام منذ يومين، ووجه مناشدة إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، طالب فيها بالتدخل من أجل الاطلاع على الأدلة التي يقول إنها تثبت براءته، وفي مقدمتها تقرير خبرة جينية أنجزه مختبر فرنسي في ديسمبر 2019.

ولم يطلب الشاب، بحسب ما جاء في البث، إصدار حكم مسبق ببراءته، بل إعادة النظر في قضيته وتمكين الجهات القضائية من فحص الأدلة التي يستند إليها؛ مؤكدا أنه لا يريد الإفراج عنه إن كان مذنبا، ولا يقبل استمرار سجنه إن كان بريئا.

جريمة هزت نواكشوط وأحكام بالإعـ.دام

تعود القضية إلى فبراير 2019، حين اختفى الشاب محمدو ولد برو، الذي كان يعمل في وكالة «غزة تلكوم» لتحويل الأموال بمقاطعة الميناء، قبل العثور على جثته متفحمة في منطقة مهجورة بمقاطعة دار النعيم.

وأظهرت المعلومات التي نشرتها الصحافة المحلية حينها أن الوكالة تعرضت للسطو، واختفت منها مبالغ مالية، كما عُطلت أجهزة المراقبة وسُحبت بعض معداتها. وأثارت الجر.يمة صدمة واسعة، وخرجت احتجاجات تطالب بالكشف عن مرتكبيها وإنزال العقوبة بهم.

وفي مارس 2019، أعلنت الشرطة توقيف مشتبه بهم، وقالت إن التحقيق قاد إلى مجموعة إجرامية، وإن بعض الموقوفين اعترفوا بارتكاب الجريمة وأعادوا تمثيل وقائعها. كما تحدثت السلطات الأمنية آنذاك عن استدراج الض.حية في سيارة، ثم طعنه ونقل جثته إلى خارج العاصمة وإحراقها.

وبعد مسار قضائي طويل، بدأت محاكمة المتهمين في نوفمبر 2021، قبل أن تصدر محكمة الجنايات بنواكشوط الجنوبية في مارس 2022 أحكاما بالإعـ.دام قصاصا في حق اثنين، من بينهما إبراهيم ولد الأدهم، مع أحكام بالسجن في حق متهمين آخرين وحفظ الدعوى في حق اثنين لعدم كفاية الأدلة. وأكدت محكمة الاستئناف في يوليو من العام نفسه حكم الإع.دام الصادر بحق ولد الأدهم ومتهم آخر.

تقرير فرنسي يعود إلى قلب القضية

من أبرز ما استند إليه ولد الأدهم في بثه الأخير تقرير خبرة جينية يحمل الرقم المرجعي 2019/1246، مؤرخا في 11 ديسمبر 2019، وموقعا من الخبير الفرنسي كريستيان دوتريمبويش، الذي قدمه المحامي محمد ولد أمين في تدوينة سابقة باعتباره أستاذا وخبيرا لدى المحاكم القضائية الفرنسية.

وحسب الخلاصة المترجمة التي نشرها الناشط خطره ولد محمد الشيخ، فإن الفحوص أجريت على عينات من الدم عثر عليها في قطعتين من القماش، وأخرى على قطعة قماش إضافية، وقورنت بالعينات البيولوجية المأخوذة من والدي الضحية.

وتقول الخلاصة إن نتائج التحاليل استبعدت وجود صلة قرابة بين مصدر عينات الدم محل الفحص وبين والد الض.حية ووالدته، سواء بالنسبة للعينة الأولى أو الثانية.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ضوء ما أورده المحامي محمد ولد أمين في تدوينة مطولة نشرها يوم 5 مايو 2023، قال فيها إن العينات المرسلة إلى المختبر الفرنسي شملت السكين والدراعة وقطعا من إسفنج مقعد السيارة، وإن الخبرة أثبتت أن الدم الموجود على السكين ليس دما بشريا، وأن آثار الدم الموجودة على الدراعة وإسفنج السيارة لا تعود إلى الض.حية، استنادا إلى المقارنة مع عينات والديه.

لكن ثمة نقطة علمية وقضائية تستحق التوضيح: الخلاصة المترجمة المنشورة حاليا تتحدث عن استبعاد صلة القرابة بين مصدر الدم ووالدي الض.حية، ولا تتضمن وحدها كل التفاصيل التي أوردها المحامي بشأن السكين أو طبيعة الدم، كما لا تعرض بصورة واضحة مقارنة مباشرة بين العينات وبصمة إبراهيم ولد الأدهم الوراثية.

ولذلك فإن الاطلاع على التقرير الأصلي كاملا، وملاحقه الفنية، وطبيعة العينات التي خضعت للفحص، وكيفية إدراج نتائجها في ملف التحقيق والمحاكمة، يظل ضروريا لتحديد ما تثبته الخبرة فعليا وما لا تثبته.

المحامي: الأدلة العلمية لم تجد طريقها إلى الإقناع القضائي

كان المحامي محمد ولد أمين قد عرض في تدوينته رواية مفصلة لمسار الخبرة، قائلا إن طلب إجراء تحليل الحمض النووي بدأ من قاضي التحقيق، ومر عبر الجهات القضائية والإدارية، قبل أن توافق السلطات على إرسال العينات إلى مختبر فرنسي متخصص في مدينة بوردو.

وذكر أن أخذ العينات تم بإشراف الطبيب الشرعي محمد الإمام ولد الشيخ ماء العينين، وشمل عينات من والدي الضحية، إلى جانب مواد بيولوجية من مسرح الجر.يمة، مشيرا إلى أن وكيل الجمهورية أقر، خلال المحاكمة، بجدية الخبرة واحترام خلاصاتها، وفق روايته.

وأضاف المحامي أن المحكمة لم تأخذ بنتائج التقرير، وأن محكمة الاستئناف أيدت الحكم، معتبرا أن ذلك أدى إلى تجاهل أدلة علمية كان ينبغي أن تحظى بوزن حاسم في القضية.

كما تحدث عن آثار تعذيب قال إنها كانت ظاهرة على جسد ولد الأدهم عند مثوله أمام الجهات القضائية، وعن اعترافات قال إنها انتزعت منه تحت التعذيب.

وتظل هذه التفاصيل، رغم أهميتها، رواية قدمها محامي المتهم، وتحتاج إلى مراجعة محاضر التحقيق وأحكام المحاكم والوثائق الطبية ذات الصلة، قبل اعتمادها بوصفها وقائع قضائية ثابتة.

بين الاعترافات والإنكار.. أسئلة لا تزال مطروحة

في بثه الأخير، لم يقدم ولد الأدهم نفسه بوصفه شابا مثاليا، بل أقر بأنه كان يعيش حياة انحراف، ويستعمل الممنوعات، ويصاحب أشخاصا تورط بعضهم في الجريمة، لكنه شدد على أن ذلك لا يجعله قاتلا، وأنه لم يرتكب جر.يمة ق.تل في حياته.

وهذه النقطة حضرت أيضا في تدوينات عدد من المتفاعلين مع القضية؛ إذ رأت الناشطة نفيسة حمدي أن الشاب كان صغير السن وقت اعتقاله، وأن الاعترافات التي نسبت إليه انتزعت بعد تعذيب، معتبرة أن تقرير الخبرة يفرض إعادة فحص الأدلة التي بنيت عليها الإدانة.

أما الناشط خطره ولد محمد الشيخ، فركز على نشر خلاصة التقرير الفرنسي، باعتبارها وثيقة تستحق أن يعاد النظر في ضوئها في ملف القضية.

وذهب المحامي محمد ولد أمين أبعد من ذلك، حيث اعتبر أن تجاهل نتائج الخبرة يهدد بتحويل شخص بريء إلى ض.حية لجري.مة لم يرتكبها، مطالبا بإعادة فتح الملف.

في المقابل، لم يخل التفاعل من أصوات متحفظة على رواية ولد الأدهم؛ إذ طرح الناشط الساموري سوله أسئلة بشأن سبب صمته طوال السنوات الماضية، وصمت أصدقائه الذين قال إنهم لم يرتكبوا الجر.يمة، كما تساءل عما إذا كانت الرواية الجديدة قد تكون متأثرة بتوجيه من محاميه.

ورأى آخرون أن خطورة الجر.يمة وصدمة الرأي العام منها لا ينبغي أن تجعلا التعاطف مع المتهم بديلا عن الأدلة، أو أن تتحولا إلى سبب للتشكيك في أحكام القضاء دون الاطلاع على كامل الملف.

مطالب بتحقيق جديد.. وماذا عن حق الض.حية؟

دعا الناشط سيدي محمد ولد محفوظ إلى فتح تحقيق جديد ومستقل، مطالبا باستدعاء ضباط الأمن الذين وردت أسماؤهم في رواية ولد الأدهم، والاستماع إلى الجهات التي أشرفت على التحقيق والمحاكمة.

أما المختار السالم، فميز بين مسألة إدانة الشاب أو براءته، التي قال إنها من اختصاص القضاء، وبين الاتهامات المتعلقة بالتعذيب، معتبرا أنها تستوجب تدخلا عاجلا من السلطات.

وكتب عبد القادر ولد خطري أن ما ظهر في حديث الشاب يستدعي من الدولة النظر في قضيته حتى تتضح الحقيقة، فيما طالب با آدما الرئيس ووزير العدل بإعادة محاكمته وإنصافه إذا ثبتت براءته.

وتجاوزت بعض التدوينات المطالبة بمراجعة الحكم إلى التشكيك في مسار التحقيق برمته، والحديث عن اختفاء سجلات المعاملات والديون وأجهزة الحاسوب وكاميرات المراقبة التابعة لوكالة تحويل الأموال، وهي معلومات أوردها ناشطون في سياق طرح فرضيات عن احتمال وجود دوافع مالية أو أطراف أخرى لم يشملها التحقيق. غير أن هذه المزاعم لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة، ولا يصح التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة.

وفي خضم هذا السجال، تبرز ضرورة عدم إغفال الض.حية محمدو ولد برو وأسرته، الذين ينتظرون منذ سنوات أن تظل الحقيقة بشأن مقتله مصونة، وأن تنفذ العدالة بحق مرتكبيه الفعليين، دون أن يتحول طلب إنصاف متهم محتمل البراءة إلى انتقاص من حق الض.حية.

القضية بين واجب العدالة وضرورة مراجعة الأدلة

لا يتعلق الأمر بمجرد تعاطف مع سجين أو تصديق رواية ظهرت بعد سنوات من صدور الحكم، كما لا يتعلق بالدفاع عن متهم لمجرد أنه أعلن براءته. فالقضية تطرح أسئلة محددة تستحق إجابات موثقة: ما الذي أثبته تقرير الخبرة الفرنسية تحديدا؟ وهل اطلعت عليه المحاكم وناقشت نتائجه الفنية؟ وما الأساس الذي اعتمدته في عدم الأخذ به؟ وهل توجد أدلة أخرى مستقلة تؤيد إدانة ولد الأدهم؟ وهل خضعت ادعاءاته بشأن التعذيب للتحقيق؟

إن وجود تقرير خبرة يثير تساؤلات جدية لا يعني تلقائيا ثبوت البراءة، مثلما أن صدور حكم بالإدانة لا يجعل مراجعة الأدلة أو فحص ادعاءات التعذيب أمرا غير مشروع.

وبين إصرار ولد الأدهم على أنه لم يقتل، وتمسك آخرين بضرورة احترام أحكام القضاء، يبقى الطريق الأكثر إنصافا هو توجيه الجهات القضائية المختصة بمراجعة الوثائق الفنية ومحاضر التحقيق والأدلة التي بني عليها الحكم، والإجابة عن الأسئلة التي أعاد البث الأخير طرحها.

فإذا كان الشاب بريئا، فإن إنصافه واجب، وإذا ثبتت إدانته بأدلة سليمة، فإن حق محمدو ولد برو وأسرته في العدالة لا يجوز التفريط فيه. وفي الحالتين، لا ينبغي أن تكون الحقيقة هي الغائب الأكبر في قضية بهذا الحجم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى