تقارير

غضب الشارع وانقسام الأغلبية.. هل تقرر ضريبة الهاتف ومصير ولد اجاي؟

عاشقة الحرف

لا يكاد يعلو هذه الأيام في موريتانيا صوت فوق صوت الجدل الدائر حول الضريبة الجديدة المفروضة على الهواتف المحمولة. فمنذ الإعلان عن تطبيق جمركة الهواتف ضمن قانون المالية لسنة 2026، تحولت القضية إلى محور نقاش واسع في الشارع والأسواق وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى داخل الطبقة السياسية والاقتصادية.

الحكومة: إصلاحات ضرورية لبناء الدولة

في خضم هذا الجدل، ومع تزايد الأصوات المطالبة بإقالته باعتباره أحد أبرز المدافعين عن التوجه الضريبي للحكومة، دافع الوزير الأول المختار ولد اجاي عن السياسات الحكومية، مؤكداً أن بناء دولة “عادلة ونامية” لا يمكن أن يتحقق دون تعزيز تحصيل موارد الدولة وحمايتها من الفساد.

وأوضح أن برنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يقوم على مسارين متكاملين: بناء قاعدة تنموية صلبة، وإطلاق مشاريع هيكلية كبرى تمهد لتحول اقتصادي في البلاد.

وقدم ولد اجاي ما قال إنها حصيلة رقمية لتنفيذ البرنامج الجهوي للنفاذ إلى الخدمات الأساسية، مشيراً إلى إطلاق 2609 ورشات في الولايات الداخلية تشمل تشييد آلاف الحجرات الدراسية ومئات المنشآت الصحية والخدمية، إضافة إلى مشاريع للمياه والسدود والكهرباء في مئات القرى.

غير أن هذه الحصيلة جاءت في وقت تتصاعد فيه الانتقادات للسياسات الضريبية للحكومة، خصوصاً بعد فرض ضرائب على التحويلات المالية وجمركة الهواتف.

الشارع.. احتجاجات متصاعدة

لم يبق الرفض في حدود النقاش السياسي، بل خرج إلى الشارع.

فقد تظاهر مئات الشباب في نواكشوط من العاملين في مجال بيع الهواتف، كما شهدت مدن مثل نواذيبو و ازويرات تحركات مماثلة بدعوة من اتحاد سوق الهواتف، مطالبين بإلغاء الضريبة الجديدة ومحذرين من إغلاق المحال وتصعيد الاحتجاجات إذا لم تتراجع السلطات عن القرار.

ويقول المحتجون إن الضريبة قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار والإضرار بآلاف العاملين في تجارة الهواتف، التي أصبحت ملاذاً لكثير من الشباب في ظل البطالة.

كما شهدت الأسابيع الأخيرة وقفات احتجاجية أخرى، من بينها احتجاجات طلابية أمام وزارة التعليم العالي، في سياق أوسع من التوتر الاجتماعي المرتبط بالسياسات الاقتصادية.

انقسام داخل الأغلبية

اللافت في هذه القضية أن الانتقادات لم تقتصر على المعارضة، بل وصلت إلى بعض أطراف الأغلبية الحاكمة.

فقد دعا حزب الإنصاف الحكومة إلى فتح حوار مع الفاعلين في قطاع الهواتف، مؤكداً ضرورة تفادي أي إجراءات قد تؤثر على فرص العمل في هذا المجال.

كما طالب النائب عن الحزب أحمد جدو ولد الزين بتأجيل تطبيق الضريبة إلى ميزانية 2027 لإتاحة نقاش أوسع داخل البرلمان، فيما دعا عضو المجلس الوطني للحزب محمد ولد حويه إلى إبقاء الهواتف الذكية ضمن الأجهزة المعفاة من الرسوم باعتبارها أداة أساسية في مسار التحول الرقمي.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حزب الفضيلة إلى مراجعة القرار وفتح حوار جاد مع الفاعلين في القطاع والمتضررين منه.

وقال الحزب، الذي يرأسه الشيخ عثمان الشيخ أحمد أبو المعالي، إن النصوص الشرعية شددت على التحذير من المكوس التي تؤخذ من الناس بغير حق، معتبراً أن القرار المتعلق بجمركة الهواتف أدى إلى حالة من الاحتقان.

ودعا الحزب إلى معالجة متوازنة تراعي مصلحة الخزينة العامة دون الإضرار بصغار العاملين والمواطنين، مؤكداً ضرورة العدالة في السياسات المالية للحفاظ على السلم الاجتماعي وثقة المواطنين في مؤسساتهم.

كما أعاد رئيس حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني (حاتم) النائب صالح ولد حننا التذكير بأنه طالب الوزير الأول، خلال نقاش برنامج الحكومة في البرلمان مطلع العام، بمراجعة الإجراءات الضريبية المتعلقة بجمركة الهواتف.

وأوضح ولد حننا أنه دعا حينها إلى إعادة النظر في هذه الإجراءات بما يراعي المصلحة العامة، مطالبا بتحسين أوضاع ذوي الدخل المحدود من خلال زيادة رواتب عمال الصحة والأساتذة وأفراد الجيش والأمن والمتقاعدين وأئمة المساجد.

انتقادات سياسية واقتصادية

في المقابل، ذهب بعض النواب والمعارضين إلى انتقادات أكثر حدة.

فقد اعتبر النائب خالي جالو أن الضريبة “ليست مجرد إجراء مالي بل ضريبة على الأمل”، مشيراً إلى أن تجارة الهواتف أصبحت مصدر رزق لآلاف الشباب.

كما أشار النائب أحمدو ولد امباله إلى ما وصفه باختلالات في النظام الضريبي، موضحاً أن نحو 100 شركة فقط تسهم بـ79% من إجمالي الضرائب، في حين يبقى جزء كبير من الاقتصاد خارج المنظومة الجبائية.

أما النائب يحيى ولد اللود فحذر من تأثير القرار على الجالية الموريتانية في الخارج التي اعتادت إرسال الهواتف كهدايا لأسرها.

دعوات لإقالة الوزير الأول

ومع تصاعد الجدل، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي مطالبات بإقالة الوزير الأول المختار ولد اجاي، بعد موجة الضرائب التي شملت التحويلات المالية عبر التطبيقات البنكية والهواتف الذكية.

وبحسب استطلاع غير رسمي أطلقه المدون محمد أحمد سالم اتويف، شارك فيه آلاف المعلقين، فقد أيدت نسبة كبيرة من المشاركين إقالة الوزير الأول أو التراجع عن الإجراءات الضريبية.

كما دعا بعض الشباب العاملين في أسواق الهواتف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، معتبرين أن استمرارها قد يدفع بعض الشباب إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل.

الحكومة: الضرائب ليست مرتفعة

في المقابل، دافع الناطق باسم الحكومة الحسين ولد مدو عن الإجراءات الضريبية الجديدة، مؤكداً أن الهدف منها تنظيم قطاعات غير مصنفة سابقاً وضمان استفادة الدولة منها.

وأضاف أن مستوى الضرائب في موريتانيا “يبقى منخفضاً مقارنة بدول الجوار”.

لماذا أثارت الضريبة كل هذا الجدل؟

يرى مراقبون أن توقيت القرار لعب دوراً في تضخيم الجدل، إذ جاء في لحظة كان فيها كثير من الموريتانيين يتوقعون تحسناً اقتصادياً مع بدء تصدير الغاز، لا فرض ضرائب جديدة.

وهكذا تحولت ضريبة الهاتف من إجراء مالي تقني إلى قضية سياسية واجتماعية واسعة تعكس نقاشاً أعمق حول الواقع الضريبي وتوزيع الأعباء الاقتصادية ومستقبل الإصلاحات في البلاد.

ويبدو أن ملف جمركة الهواتف مرشح للبقاء في صدارة الجدل السياسي في موريتانيا خلال الفترة المقبلة، في وقت يترقب فيه المواطنون ما ستؤول إليه هذه الأزمة: هل تتراجع السلطات عن القرار أم تمضي في تطبيقه رغم موجة الاعتراضات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى