الرأي

من نقد التراث إلى هدم الثوابت

الدكتور/ الهادي بن المنير بن الطلبه

ما إن تأخذ هاتفك لتتصفح بعض المقاطع ذات المحتوى الفكري، حتى يغُمرك سيل جارف من المقاطع المتهافتة لأناس يشككون في كل الثوابت، ويزعمون أن لهم نظريات في كل شيء، وأن الأمة ظلت قرونا طويلة على ضلال في فهم دينها، حتى جاءوا هم ليكتشفوا الفهم الصحيح والنهج القويم!
يشككون في فهم الأمة للقرآن، ويطرحون من المعاني ما تمليه عليهم أهواؤهم، فيحسبها الجاهل علما، والساذج تجديدا، وما هي إلا أقوال مجردة من أصول التفسير وقواعده. ومن عجيب أمر بعضهم أن يتصدر لتفسير كتاب الله، وهو عاجز عن ضبط آياته ونطقها نطقا سليما، فضلا عن امتلاك أدوات فهمها واستنباط معانيها.
وتبقى مشكلتهم الكبرى مع السنة النبوية؛ فيزعمون تعارضها مع القرآن، ويحطون من منزلتها، ويطعنون في نقلة الحديث ورجاله، ويردون حديث حافظ ثقة عدل ثبتت روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليحملوا الأمة في المقابل على رأي شخص مجهول الأدوات، أو قول متهافت لا سند له من علم ولا برهان.
وهكذا صار الشك عند بعضهم منهجا، والهدم غاية، ومخالفة الموروث العلمي فضيلة في ذاتها؛ فشككوا في مواقيت الفرائض، وتقويم الصيام، ومواقيت الحج، وحدود الشرع، وأحكام المعاملات، وأبواب الجهاد وآدابه، بل امتد التشكيك إلى تاريخ الإسلام وأحداثه ورواياته.
فيكذبون رواية معاصرة للأحداث، منقولة بالأسانيد، ثابتة في كتب أهل العلم، ثم يقدمون عليها روايات متأخرة نسجتها الخيالات الدرامية، أو قراءات حديثة لا تقوم على تحقيق علمي رصين، وكأن قرب الرواية من زمن الحدث أصبح عيبا، وكأن الخيال المتأخر صار أصدق من النقل الموثق!
وما علم هؤلاء أنهم، في كثير مما يقولون، لا يأتون بجديد؛ فما من شبهة إلا وقد سبقهم إليها صاحب ضلالة أو بدعة أو هوى، وما من باب من أبواب التشكيك إلا وناقشه علماء الأمة قديما، وفصلوا القول فيه، وميزوا صحيحه من سقيمه، وقائمه من باطله.
إن التجديد الحقيقي ليس هدم الثوابت، والبحث العلمي ليس صناعة الشبهات، والعقلانية ليست رد كل ما ورثناه، كما أن الاستقلال الفكري لا يعني أن يجعل الإنسان من جهله بأصول العلوم حجة على العلماء، ومن عجزه عن فهم التراث دليلا على بطلانه.
وسيظل الإسلام محفوظا بحفظ الله تعالى، قال سبحانه: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”. وقد تمر على الأمة أزمنة ضعف، وتقل فيها أعداد أهل العلم، وتتقاذف المسلمين أمواج الفتن والشبهات من كل جانب، لكن الله يقيض لهذا الدين من يحفظ أصوله، ويبين معالمه، ويرد عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
ومن هنا فإن الواجب على أهل العلم والفكر والدعوة، ممن يعملون لله ويستشعرون مسؤولية الكلمة، أن يتسلحوا بالعلم والمعرفة، وأن يواجهوا هذه الموجة من الشبهات مواجهة علمية رصينة؛ لا بالصراخ ولا بالتخوين، وإنما بالحجة والبرهان، وببيان أصول العلوم، وتعريف الناس بمناهج التثبت والنقد، وكشف الخلل في الاستدلال، والتمييز بين السؤال العلمي المشروع وبين التشكيك الذي يجعل الشك غاية لا وسيلة إلى الحقيقة.
إن الخطر اليوم ليس في وجود الأسئلة؛ فالأسئلة كانت ولا تزال بابا من أبواب العلم، وإنما الخطر في أن يتحول الجهل بأدوات البحث إلى سلطة، وأن تتحول المنصات الإعلامية إلى منابر لإعادة إنتاج الشبهات دون تمحيص، وأن يقدم كل من يتحدث بثقة أمام الكاميرا على أنه صاحب اكتشاف علمي لم يسبقه إليه أحد.
ولذلك، فإن معركة الوعي لا تخاض بمنع السؤال، وإنما بتعليم الناس كيف يسألون، وكيف يتحققون، وكيف يميزون بين الدليل والشبهة، وبين البحث العلمي الحقيقي وبين مجرد مخالفة المألوف.
فالثوابت لا يحميها الخوف من السؤال، وإنما يحميها العلم؛ ولا تصان الحقيقة بإسكات المخالف، وإنما بإقامة البرهان؛ ولا تواجه موجات التشكيك بالانفعال، وإنما بعلم راسخ، وعقل متزن، ومنهج يعرف قدر القرآن، ومكانة السنة، وجهود العلماء، وقواعد التثبت من الأخبار والروايات.
وهذه مسؤولية أهل العلم والفكر اليوم: أن يكونوا حاضرين في ساحات التأثير، وأن يقدموا خطابا علميا واضحا، بلغة يفهمها الناس، حتى لا تترك عقول الأجيال فريسة لكل من امتلك هاتفا ومنصة وصوتا مرتفعا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى