
موقع تحديث_ الخرشي مصطف حمادي
من تحت تجاعيد السنين، وبصوتٍ أثقله الفقد أكثر مما أثقله العمر، وقف الشيخ سيدي إبراهيم ولد آجاط، وقد تجاوز السبعين، على أنقاض بستان أبيه يحدق في أعجاز نخلٍ متناثرة كأنها شواهدُ قبور، ثم قال وكان أخوه الثمانيني شاهدا:
ولدتُ هنا… يوم كانت “انتاكات” قطعةً من الجنة أُسقطت على الأرض.
لم نكن نرى الشمس إلا ضيفًا عابرًا؛ فقد كانت باسقات النخيل الممتدة على مسافة 3 كيلو متر تقريبا تحجب وهجها، وكانت الظلال تمتد حتى يخيل إلينا أن القيظ لا يعرف طريقه إلينا.
كبرتُ وأنا أتفيأ تلك الظلال، وأشرب من ماءٍ كان يجري في العروق قبل أن يجري في الآبار.
كانت الواحة أمًّا ترضع أبناءها؛ نأكل من رطبها، ونستظل بسعفها، ونبيع من خيرها، ونقتات منها عامًا بعد عام.
وفي موسم الكيطنة كانت القرى كلها تعرف طريقها إلينا، يأتينا الناس من كل حدبٍ وصوب، يأكلون من الرطب حتى يشبعوا، ثم يملؤون حقائبهم بما شاءوا، ولا نسألهم ثمنًا، فالرزق يومئذٍ كان أوسع من الحاجة، وكانت البركة تسكن الأرض كما يسكن الماء جذور النخيل.
وليس هذا فحسب، بل كنا ندخر من ثمار عامنا ما يكفينا حتى الموسم المقبل، فإذا جاء الحصاد الجديد، وجدنا عندنا من القديم ما لم تنله الأيدي.
كنا نعيش في سعةٍ لا يعرفها إلا من عرف بركة الأرض إذا رضيت.
ثم…
لا أدري كيف انقلب وجه الزمان حتى تحولت انتاكات من واحة وارفة إلى أرض عطشى يفتك بها الجفاف ومنذ عقدين تقريبا في تدهور وهي على هذه الحالة.
مرَّ علينا الجفاف، لا كضيفٍ عابر، بل كجيشٍ لا يترك وراءه إلا الخراب. بخلت السماء، ونضبت الأرض، وانكمش الماء في جوفها حتى كأنها لم تعرفه قط.
جف الضرع الذي طالما أرضعنا، وانقطع النبض الذي كانت تضج به الواحة، بعد فقدان نحو 30 ألف نخلة بقيت جذورها شاهدة.
ففي كل يوم، كانت نخلةٌ تسقط، حتى لم يبق من ذلك البستان الذي كان يفيض حياةً إلا أعجازٌ يابسة، وغبارٌ يتطاير مع الريح، وصمتٌ موجعٌ لا يقطعه إلا حسرةُ شيخٍ يتذكر.
أقف اليوم أمام هذه الأعجاز، فأشعر وكأنني أقف أمام رفاق عمري. هنا كنا نضحك، وهنا كان الأطفال يمرحون، وهنا كانت القوافل تنزل ضيوفًا، أما اليوم فلا ماء، ولا ظل، ولا رطب، ولا مرعى، حتى الأرض نفسها تبدو كأنها تضيق بأهلها من شدة العطش.
لكننا… لم نفقد الأمل.
لا نطلب صدقةً تُذهب يومًا، ولا عطاءً ينتهي بانتهائه، فواحتنا تطلب الماء فقط لتستعيد الحياة.
نريد فقط نظرة أم حنون من دولتنا الموريتانية ومن أهل الخير، أن يعينونا على إعادة الحياة إلى هذه الأرض.
احفروا لنا بئرًا يصل إلى الماء، وأعينونا بما نستطيع به أن نعيد غرس الحياة.
نحن لا نهرب من العمل، ولا نستثقل مشقته، فما زرع هذه الواحة آباؤنا إلا بالكدح، ونحن مستعدون أن نكدح كما كدحوا.
ولكن اليد مهما اشتدت لا تستطيع أن تستخرج الماء من العدم.
إن انتاكات لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب فقط أن يعود إليها نبضها، وأن تعود النخلة واقفةً كما كانت، وأن يسمع الأطفال مرةً أخرى خرير الماء تحت ظلالها.
فلعل بئرًا يُحفر اليوم، يكون سببًا في أن تستعيد قريةٌ كاملةٌ ذاكرتها، وأن يعود إليها ما سلبه الجفاف، وتنتصر الحياة مرةً أخرى على قهر الزمن.








