تقارير

بعد 35 عاما من المراقبة الأممية.. موريتانيا تواجه حدودا بلا عين دولية

خاص_ تحديث

(تحديث-نواكشوط ) لم تعد تداعيات نزاع الصحراء الغربية بالنسبة لموريتانيا مجرد حسابات دبلوماسية تفرضها علاقاتها مع أطراف النزاع، بل باتت تحمل أبعادا أمنية مباشرة، مع انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة «مينورسو» وبدء تفكيك وجودها الميداني، في تطور يضع المناطق الحدودية شمال البلاد أمام مرحلة أكثر حساسية.

فمنذ الأول من نوفمبر الجاري، دخلت البعثة مرحلة التصفية بعد فشل مجلس الأمن الدولي في تجديد ولايتها، لتنتهي بذلك مهمة استمرت منذ عام 1991 في مراقبة وقف إطلاق النار وتوثيق التطورات العسكرية والأمنية في الصحراء الغربية.

وتشمل عملية الانسحاب إعادة نحو 160 مراقبا عسكريا، وسحب قرابة 180 موظفا مدنيا، وإغلاق 13 منشأة أممية.

والأكثر أهمية أن انتهاء المهمة لا يعني مجرد مغادرة الموظفين والمعدات، بل توقف آلية المراقبة الميدانية التي ظلت قائمة طوال أكثر من ثلاثة عقود.

وقد أكد مسؤول عمليات السلام بالأمم المتحدة جان بيير لاكروا أن البعثة لم تعد تملك أي مهمة لمراقبة وقف إطلاق النار، وأن دورها بات مقتصرا على تنظيم انسحابها، دون وجود آلية بديلة معلنة.

تحذيرات على الحدود

في موريتانيا، لم تنتظر السلطات اتضاح كامل ملامح المرحلة الجديدة، إذ وجهت السلطات الإدارية في مقاطعتي الشامي واتميمشات تحذيرات للسكان والرحل، دعتهم فيها إلى التأكد من وجودهم داخل الأراضي الوطنية والابتعاد عن المناطق الحدودية الحساسة.

وتكتسب هذه التحذيرات أهميتها من طبيعة الأنشطة التي تجري في تلك المناطق، حيث ينتشر المنقبون عن الذهب والرعاة والرحل، إلى جانب الصيادين الذين ينشطون في المناطق البحرية القريبة من الصحراء الغربية.

ونقلت وكالة الأنباء الإسبانية «EFE» عن رئيس الاتحاد العام للمنقبين عن الذهب، محمد محمود ولد الحسن، تحذيره من مخاطر الخلط بين مركبات المنقبين والمركبات التي يستخدمها مقاتلون صحراويون، بسبب تشابه المركبات ولوحات تسجيلها، وهو ما قد يعرض المنقبين للاستهداف في مناطق التوتر.

ويأتي هذا التحذير عقب هجوم بطائرة مسيرة نُسب إلى الجيش المغربي واستهدف مركبتين قرب الحدود الموريتانية، وفق شهادات محلية أوردها تقرير الوكالة، في حين لا تزال تفاصيل الحادث بحاجة إلى تحقق مستقل.

ولا تقتصر المخاوف على البر، إذ أشار التقرير إلى أنشطة الصيد قرب منطقة لكويرة، ونقل عن أحد سكان نواذيبو حديثه عن تشديد البحرية الملكية المغربية تدخلاتها ضد قوارب الصيد غير النظامية، مع تأكيد الوكالة أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه المعلومات.

لكويرة.. ملف يتجاوز ترسيم الحدود

وتتزامن هذه التطورات مع عودة ملف لكويرة إلى الواجهة، بعد طرح موريتانيا ضرورة ترسيم الحدود في المنطقة، وهي خطوة يرى مراقبون أنها ترتبط بالاستعداد للتحديات القانونية والأمنية والاقتصادية التي قد تفرضها مرحلة ما بعد النزاع.

ونقلت «EFE» عن الصحفي الموريتاني جدنا ديده أن التحرك الموريتاني لا يمثل مطالبة بأراض جديدة، وإنما يندرج ضمن مسعى استباقي لتفادي التعقيدات المحتملة في المستقبل.

وكان الناطق باسم الحكومة، محمد ولد ببانه، قد أوضح أن المبادرة تستهدف تفادي تداعيات أمنية وقانونية واقتصادية، فيما جدد تأكيد موقف نواكشوط القائم على «الحياد الإيجابي»، مشددا على أن موريتانيا ترى نفسها جزءا من الحل وليست جزءا من المشكلة.

حياد سياسي واختبار أمني

تجد موريتانيا نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة: المحافظة على حيادها في نزاع إقليمي شديد الحساسية، وفي الوقت نفسه حماية حدودها ومواطنيها ومصالحها الاقتصادية من تداعيات أي تصعيد محتمل.

فغياب المراقبين الأمميين يعني أن الحوادث الميدانية قد تصبح أكثر صعوبة من حيث التوثيق والتحقق، خصوصا في المناطق الصحراوية المفتوحة التي تتداخل فيها مسارات الحركة والأنشطة المدنية والعسكرية.

كما أن استمرار التوتر بين المغرب وجبهة البوليساريو يجعل المناطق القريبة من الحدود الموريتانية عرضة لتداعيات لا تتحكم نواكشوط في مساراتها، لكنها قد تتحمل كلفتها الأمنية والاقتصادية.

وبين انسحاب «مينورسو» وتعقيدات ملف لكويرة وتحذيرات السلطات للمدنيين، يبدو أن التحدي الموريتاني لم يعد مقتصرا على إدارة موقف دبلوماسي متوازن من نزاع الصحراء، بل أصبح يتعلق أيضا بكيفية تأمين حدود طويلة وحساسة في منطقة تفقد إحدى آليات الرقابة الدولية التي ظلت حاضرة فيها منذ 35 عاما.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ستكتفي موريتانيا بالتدابير الاحترازية والتحذيرات الإدارية، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض عليها ترتيبات أمنية ودبلوماسية جديدة لحماية حدودها ومصالحها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى