في بحث تم نقاشه مؤخرا بجامعة شنقيط العصرية ، عمل الباحث الحسن سيدي الحسين على تحديد الجهة المسؤولة جنائيا عن أفعال الذكاء الاصطناعي.
البحث الذي نال ولد الحسين بموجبه درجة الماستر يحمل عنوان: المسؤولية الجنائية الناشئة عن أفعال الذكاء الاصطناعي .
ويكتسي البحث أهمية من كونه يخوض في قضية جديدة لم تكتمل بعد الأطر القانونية اللازمة لمعالجتها.
وينطلق البحث من حقيقة أن النظرية التقليدية للمسؤولية الجنائية بُنيت أساساً على الإنسان، باعتباره كائناً يتمتع بالإدراك والتمييز والإرادة. فلا عقوبة، من حيث الأصل، إلا على شخص ارتكب فعلاً يجرمه القانون، وتوافرت لديه نية إجرامية أو صدر عنه إهمال أو تقصير يبرر مساءلته. لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت درجة تطورها، لا تمتلك وعياً أو إرادة بالمعنى القانوني والشرعي، وهو ما يجعل إسناد الجريمة إليها مباشرة أمراً غير ممكن في ظل القواعد الحالية.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما لا يكون النظام مجرد أداة تنفذ أوامر بشرية محددة، وإنما يكون قادراً على التعلم من البيانات واختيار حلول لم يتوقعها المبرمج أو المستخدم بصورة دقيقة. ففي حادث تسببت فيه مركبة ذاتية القيادة، مثلاً، قد تتوزع الأدوار بين المبرمج، والشركة المصنعة، والجهة المشغلة، والمستخدم، ومزود البيانات، والمسؤول عن الصيانة والتحديث. ومن ثم يصبح تحديد الشخص الذي ارتكب الخطأ أو كان قادراً على منع الضرر مهمة قانونية وفنية بالغة الصعوبة.
ويخلص البحث إلى أن المسؤولية الجنائية لا يمكن، في الوقت الراهن، إسنادها إلى نظام الذكاء الاصطناعي ذاته، بسبب افتقاره إلى الأهلية الجنائية. وتظل المساءلة موجهة إلى الأشخاص الطبيعيين أو الشركات والمؤسسات المرتبطة بتصميم النظام أو تشغيله أو استخدامه. غير أن تحديد هذه المسؤولية يجب ألا يكون آلياً، بل ينبغي أن يقوم على معايير دقيقة، من بينها درجة تحكم كل طرف في النظام، وقدرته على توقع النتيجة، ومدى التزامه بواجبات الرقابة والحماية والصيانة.
ويرى البحث أن النصوص الجنائية الموريتانية القائمة تستطيع معالجة جانب من الجرائم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما يُستخدم النظام مجرد وسيلة لارتكاب جريمة معروفة، كالاحتيال أو التزوير أو الاختراق الإلكتروني أو انتحال الهوية. فطبيعة الوسيلة لا تلغي الجريمة متى كان الفاعل البشري معروفاً وتوافرت في حقه شروط المسؤولية.
لكن القصور يظهر بصورة أوضح عندما تنتج الأضرار عن قرارات آلية مستقلة نسبياً، أو عندما تتداخل أخطاء البرمجة والتشغيل والبيانات والتحديثات، بحيث يصعب إثبات القصد الجنائي أو تحديد العلاقة السببية بين تصرف شخص معين والنتيجة الضارة. كما أن مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» يمنع القاضي من إنشاء جرائم جديدة أو التوسع في تفسير النصوص العقابية لسد الفراغ التشريعي.
وفي ضوء التجارب المقارنة، يلفت البحث إلى أهمية النموذج الأوروبي القائم على تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي بحسب درجة خطورتها، وفرض التزامات أشد على الأنظمة المستخدمة في الصحة والأمن والنقل والتوظيف والخدمات المالية. إلا أنه يحذر من نقل التجارب الأجنبية بصورة حرفية، ويدعو إلى تكييفها مع الخصوصية القانونية والاجتماعية والاقتصادية لموريتانيا.
ويقترح البحث إصدار قانون موريتاني خاص بالذكاء الاصطناعي، يتضمن تعريفاً واضحاً للأنظمة الذكية، وتصنيفاً لها بحسب مستوى الخطورة، وتحديداً لالتزامات المبرمجين والمستخدمين والشركات المنتجة والمشغلة. كما يدعو إلى تعزيز المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتباريين عندما تقع الجريمة نتيجة تقصير مؤسسي أو إخلال بإجراءات السلامة والرقابة.
ومن بين المقترحات العملية إنشاء هيئة وطنية متخصصة في حوكمة الذكاء الاصطناعي، وسجل وطني للأنظمة عالية الخطورة، ووضع قواعد لحفظ سجلات تشغيل الأنظمة وقراراتها الآلية، بما يسمح بتحديد أسباب الحوادث والمسؤولين عنها. ويوصي البحث أيضاً بتكوين القضاة وأعضاء النيابة العامة في الجرائم الرقمية، واعتماد خبراء فنيين لدى المحاكم، وتنظيم حجية الأدلة الخوارزمية مع ضمان حق المتهم في مناقشتها وفهم الأسس التي بُنيت عليها.
وعلى المستوى الأكاديمي، يدعو البحث إلى إدراج مادة «القانون الجنائي والتقنيات الحديثة» في كليات الحقوق، وتشجيع رسائل الماجستير والدكتوراه في هذا المجال، وإنشاء وحدة بحثية متخصصة بوزارة العدل، فضلاً عن تنظيم مؤتمر وطني يجمع القانونيين والقضاة وخبراء التكنولوجيا لوضع رؤية موريتانية متكاملة.
وتكمن الرسالة الأساسية للبحث في أن تنظيم الذكاء الاصطناعي ليس دعوة إلى تعطيل الابتكار، بل هو شرط للاستفادة الآمنة منه. فالتأخر التشريعي قد يؤدي، من جهة، إلى إفلات المتسببين في الأضرار من العقاب، وقد يؤدي، من جهة أخرى، إلى تحميل أشخاص أبرياء مسؤولية نتائج لم يكن بإمكانهم توقعها أو منعها.
إن التحدي الحقيقي ليس في الاختيار بين التكنولوجيا والقانون، وإنما في بناء قانون يفهم التكنولوجيا، ويحمي الإنسان، ويوزع المسؤولية بعدالة، من دون أن يغلق أبواب التقدم العلمي والاقتصادي. وهذا ما يجعل تحديث المنظومة الجنائية الموريتانية ضرورة قانونية وأمنية، قبل أن تتحول الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من احتمالات مستقبلية إلى قضايا يومية أمام المحاكم.
زر الذهاب إلى الأعلى