من إتقان اللغة العربية وإحياء نوادرها إلى الوقوف أمام الكاميرا وتجسيد شخصية حسّانية مثيرة للانتباه، انتقل اللغوي الشاب محمد الأغظف ولد أحمد، المعروف بـ«أبّوه»، إلى تجربة فنية جديدة حملت اسم «تشفارت»، لتتحول حلقاتها إلى موضوع نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي في موريتانيا، بين من رأى فيها اكتشافا لموهبة تمثيلية واعدة، ومن تحفظ على مضمونها وطريقة تقديم بعض مشاهدها.
ويستمد العمل اسمه من كلمة «تشفارت» في اللهجة الحسانية، التي تعني الجار، ويجسد من خلال شخصية شيخ من إحدى ولايات الشمال، أساء إلى جيرانه، نموذجا اجتماعيا يفتح الباب أمام السخرية من سلوكيات مألوفة في المجتمع، وما يصاحبها من تطفل وسوء ظن وتتبع لعيوب الآخرين.
موهبة تستحق الإشادة.. أم تجربة تحتاج إلى النقد؟
الصحفي والمدون حبيب الله ولد أحمد قدم قراءة نقدية للعمل، حذر فيها من المجاملات التي تحاصر التجارب الفنية المحلية، وتحرم أصحابها من اكتشاف مواطن الخلل وتطوير أدواتهم. وأشاد بموهبة محمد الأغظف وثقافته وحضوره الشخصي وقدرته على كتابة السيناريو، لكنه رأى أن الحلقة الأولى لم تكن موفقة من حيث المضمون، منتقدا تناول شخصية متوفاة بطريقة اعتبر أنها خرجت من دائرة الطرافة إلى الموعظة والتدبر.
واعتبر ولد أحمد أن الشكل الفني كان متميزا، مشيدا بأداء الممثلين والانضباط الإخراجي والجوانب الفنية، قبل أن يدعو المختصين إلى تقديم نقد صريح يساعد صاحب العمل على البناء على نقاط القوة وتصحيح مواطن الضعف، بدلا من الاكتفاء بعبارات الإطراء.
في المقابل، رأى المدون سيد أحمد مختار الله أن أداء ولد أحمد يذكر بكبار الفنانين، مشيدا بوضوح نطقه وعفوية أدائه، فيما اعتبر المدون أعلى الشيخ ولد محمد فاضل أن الشاب أتقن الدور ببراعة، مؤكدا أن الممثل يحتاج إلى ثقافة واسعة، وأن هذه التجربة تستحق المشاهدة.
أما المدونة آمال بنت الحميدي، فذهبت إلى قراءة رمزية لمشاهد العمل، ووصفت «تشفارت» بأنه تجربة مشبعة بالرمزية، وهو أمر نادر في الدراما المحلية. وتوقفت عند مشهد أسرة تتقاسم تفاصيل حياتها اليومية في هدوء، قبل أن يحول الضيف المتطفل وسائدها، التي ترمز إلى الراحة، إلى مصدر للتوتر، عبر تفتيشها والإلحاح في السؤال عن مصدرها، في صورة ساخرة من سوء الظن والتدخل في خصوصيات الآخرين.
بين رسالة العمل وحدود الفن
ولم تتوقف الانتقادات عند المضمون الفني، بل امتدت إلى قرار ولد أحمد دخول مجال التمثيل نفسه. فالمدون عبد الله المجتبى رأى أن المحتوى اللغوي والثقافي الذي اشتهر به الشاب أكثر قيمة من تجربته التمثيلية، داعيا إياه إلى مواصلة العمل الأدبي، فيما أبدى الصديق أبو مياه تحفظه على مستوى المحتوى، معتبرا أن توجيه الفكرة لخدمة اللغة والثقافة كان سيمنحها قيمة أكبر.
كما أثار بعض المعلقين تحفظات ذات طابع اجتماعي وديني على طريقة تقديم بعض المشاهد، ومنها ظهور الممثلة الأجنبية والجلوس معها في بعض اللقطات. ورأى أصحاب هذه الانتقادات أن التجربة كان يمكن أن تقدم رسالتها بطريقة مختلفة، فيما شدد آخرون على أن هذه الملاحظات لا ينبغي أن تتحول إلى انتقاص من صاحب العمل أو من حقه في اختيار مساره الفني.
وفي مواجهة هذا الاتجاه، رفضت شاعرة الشتاء تحويل الاختلاف حول اختيارات ولد أحمد إلى مبرر لمهاجمته أو التدخل في شؤونه الخاصة، معتبرة أن لكل شخص الحق في اختيار مساره ما دام لا يسيء إلى الآخرين. وذهب صلاح الدين الخو إلى أبعد من ذلك، فوصف النظرة الرافضة للتمثيل بأنها متخلفة، مؤكدا أن الفن النبيل لا يمثل سقوطا، وأن التجربة كشفت عن موهبة لم يكن كثيرون على علم بها.
أما الصحفي والكاتب يعقوب ولد بياه، فاستحضر مسيرة الشاب في الفصحى وبرنامج «الأمالي»، مشيدا بقدرته على تقديم الطريف والنادر من الأشعار، ورأى أن انتقاله إلى التمثيل أظهر مهارات جديدة في الأداء وكتابة السيناريو، داعيا إياه إلى مواصلة التجربة وعدم الالتفات إلى المثبطين.
محمد الأغظف أمام اختبار التجربة الأولى
تكشف ردود الفعل على «تشفارت» عن انقسام يتجاوز الحكم على أداء ممثل شاب؛ فهناك من يحتفي بظهور موهبة جديدة في الدراما المحلية، ومن يخشى أن يكون الانتقال إلى التمثيل على حساب المحتوى اللغوي والثقافي الذي صنع شهرة صاحبه، ومن يركز على مضمون العمل ورسائله الاجتماعية، ومن يناقش حدوده الفنية والاجتماعية.
وبين الإشادة والانتقاد، تبدو تجربة «تشفارت» فرصة لفتح نقاش أوسع حول النقد الفني في موريتانيا: هل يحتاج المبدع المحلي إلى مزيد من التشجيع حتى يجرؤ على التجريب، أم إلى نقد صريح يجنبه الوقوع في فخ المجاملات؟ وهل ينبغي الحكم على التجربة من خلال أداء صاحبها وحده، أم من خلال السيناريو والمضمون والإخراج والرسالة التي يريد إيصالها؟
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم ما إذا كان محمد الأغظف قد نجح أو أخفق في تجربته الأولى، بل ما إذا كان الوسط الثقافي والإعلامي قادرا على مناقشة أعماله بموضوعية، من دون أن تتحول الإشادة إلى مجاملة، أو يتحول الاختلاف إلى محاكمة لاختياراته الشخصية.
زر الذهاب إلى الأعلى