من المتوقع أن تباشر الوزيرة الناها بنت مكناس غدا مهامها كوزيرة للصحة في التشكيلة الحكومية الجديدة، لكن ما يميز بنت مكناس هنا أو أنها لن تحتاج إلى مسؤول يرشدها في ممرات الوزارة، أو يطلعها على المكاتب، فقد سبق لها أن شغلت ذات المنصب، وربما لم يتغير بعدها بكثير..
وكما الحال مع وزارة الصحة، فبنت مكناس دائما تغادر حقيبة وزارية ثم تعود لها بعد سنوات…
من مستشارة برئاسة الجمهورية إلى وزيرة للخارجية، مرورا بالتجارة والتعليم والمياه والصحة، وصولا إلى الإسكان والعمران.. وعودة إلى الصحة، رحلة طويلة جعلت الناها بنت مكناس واحدة من أكثر الشخصيات حضورا في الحكومات الموريتانية خلال العقدين الأخيرين، ووجها سياسيا ظل يفرض لنفسه موقعا في دوائر السلطة رغم تعاقب الرؤساء وتبدل الحكومات.
دخلت بنت مكناس مؤسسات الحكم مطلع الألفية، وريثة لأبيها في عضوية الحكومة، حين تولت منصب مستشارة برئاسة الجمهورية عام 2000، قبل أن تصبح وزيرة مستشارة حتى عام 2005. وبعد سنوات، عادت إلى الواجهة من بوابة وزارة الخارجية، التي تولتها بين عامي 2009 و2011، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في العالم العربي، كما كانت أول سيدة تتزعم حزبا سياسيا في موريتانيا .
ومنذ عام 2014، توالت الحقائب الوزارية في مسارها؛ فتولت التجارة والصناعة والسياحة، والشؤون الاجتماعية والطفولة والأسرة، والتهذيب الوطني، والمياه والصرف الصحي، ثم عادت إلى التجارة، قبل أن تتولى منصب وزيرة مستشارة برئاسة الجمهورية، فوزارة الصحة، وصولا إلى وزارة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي في سبتمبر 2025، وانتهاء بوزارة الصحة مجدددا..تعدد المناصب هذا يجعلها نموذجا لسياسيين استطاعوا الحفاظ على حضورهم في السلطة عبر قطاعات متباينة، من الدبلوماسية إلى الخدمات الأساسية.
امرأة تتجاوز تبدل الحكومات:
لا يقتصر حضور بنت مكناس على المناصب الوزارية؛ فهي أيضا رئيسة حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم منذ عام 2000، وانتخبت نائبا في البرلمان أربع مرات.
. وبين قيادة حزب سياسي، والتمثيل البرلماني، وتولي حقائب حكومية متعاقبة، بنت مسارا يجمع بين العمل الحزبي والمشاركة المباشرة في إدارة الدولة، زاد من صلابة استمرارها الطاغي في الحكومات.
لكن هذا الاستمرار يفتح بابا لسؤال سياسي يتجاوز شخصها: كيف تتمكن بعض الأسماء من البقاء في قلب السلطة لسنوات طويلة، والتنقل بين قطاعات مختلفة، فيما تغيب أسماء أخرى عن المشهد بعد تجربة حكومية واحدة؟ هل يتعلق الأمر بخبرة تراكمية وشبكة علاقات سياسية، أم أن تداول المناصب في موريتانيا ما يزال محدودا بين دائرة ضيقة من الوجوه المعتادة؟
الناها بنت مكناس ليست مجرد وزيرة تعاقبت على حقائب متعددة؛ إنها واحدة من الوجوه التي تختصر استمرارية النخب السياسية في موريتانيا، يرى البعض في تجربتها دليلا على الخبرة والقدرة على الاستمرار، ويقرأها البعض الآخر بوصفها صورة لضعف تجديد الطبقة الحاكمة، وتكريسا لإغداق المناصب على مسؤول لحاجة في نفس رئيس..
ويبقى سجلها الحكومي الطويل حقيقة واضحة، تماما كما بقيت لعقود؛ اسما مستعصيا على الخروج من أي تشكيلة حكومية ، رغم تعاقب الأنظمة وأعاصير التغييرات..أما تقييم حصيلتها في كل قطاع فيحتاج إلى النظر في النتائج والسياسات التي ارتبطت بكل مرحلة، لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: هل إصرار الأنظمة على نقل الناها من حقيبة إلى أخرى دائما هو بسبب إنجازاتها في كل قطاع تتولاه أم لسبب آخر؟
زر الذهاب إلى الأعلى