لم يكن للحسين مؤخرا حديث سوى عن تشوقه لزيارة قرية أهله، التابعة لبوگي بولاية لبراكنه، والتي تطل على بحيرة تتغذى على رافد من روافد نهر السنغال..
يتوق الحسين بشدة للاستجمام هناك واللعب مع أصدقائه في تلك الربوع الوديعة، التي تزداد سحرا وجمالا بعد هطول الأمطار، حيث تتجمع المياه مشكلة بحيرات وترعا تغري بصفائها وجمال الطبيعة حولها كل من يراها وتدعوه إلى إتيانها ومعانقة مياهها سباحة ولعبا،..
وكل ما سمع الحسين عن ذلك ازداد تشوقه إليها وشغفه بها، وهو ما لا تجامل فيه والدته مريم، الخالة التي ربته كما لو كان ابن رحمها..
الحسين هو فتى في السابعة عشرة من العمر، والده طبيب عام، ووالدته توفيت عنه بعد ولادته بأيام، لتنتقل حضانته إلى أختها مريم، والتي اقتضت الظروف أن يتزوجها أبوه بعد امه، وتشاء التصاريف أن لا تنجب ، وكأن القدر يريد لها أن تعتني بوصية أختها وفلذة كبديهما؛ الفتى المدلل؛ الحسين…
وبعد الإعلان عن نتائج الباكلوريا ازداد إلحاح الحسين على والديه للذهاب إلى قريتهم في إحدى الولايات الداخلية، خصوصا وأن صديقيه المقربين صالح وأخيارهم يسألانه بشكل يومي “ما الذي يؤجل قدومك يارجل! ستنتهي العطلة دون ان نقيم يوما للشواء والمتعة على ضفة الگلته”..؟؟ “انتظروني يا خونة ولا تعجلوا عني ، فلقد أقنعت “لمازر ” بالسفر وسنذهب قريبا”..
كان هذا قبل أسابيع..حيث ان مريم، الأم والخالة الوجلة دائما على صغيرها وأمانة أختها.. ظلت تماطل حتى قبل يومين، حيث وجدت نفسها مكرهة على الانصياع لرغبته، رغم المعارضة المستميتة التي أبدتها في كل مرة..
لكن إصرار فتى في عمر الزهور كان أقوى من رفضها المضمخ بالخوف عليه من ما قد تحبكه له الأقدار…ولعله وجل قلب في منزلة قلب الأم!..
في اليوم التالي لوصولهم إلى القرية قرر الفتية الذهاب إلى ضفاف البحيرة، وقضاء يوم ماتع، يشوون فيه اللحم ويلهون تحت ظلال أشجار الوادي، والأهم؛ يسبحون في البحيرة الهادئة ذات الماء الزلال الصافي، وهم لا يدركون شيئا من تلك اليد التي تعد الدقائق والثواني لتمسك ضالتها المطلوبة!
وفعلا، قضى الفتية معظم اليوم تماما كما خططوا له، وبعد أن صلوا العصر هب الحسين واقفا على عجل: من يسبح معي؟؟ وبسرعة تناسب الموقف قال صالح وأخيارهم بصوت واحد؛ “لكنك لاتعرف السباحة!”.. قالاها ليحذراه، فكانت كلماتهما وقودا لإصراره المعهود، ليرد”سترون”، ودون أن يعطي مجالا للتعليق صوب رأسه ورمى بنفسه في البحيرة، ثم جعل يقلد حركات كان يتابعها في هاتفه مؤخرا لتعلم السباحة.. غير أن المياه تكذب العوام الماهر، فكيف بالمبتدئ الذي لا يملك من الخبرة سوى الاندفاع؟..
أخذت المياه تتلقف الحسين وتحتضنه كأم حانية لاتريد أن يبتعد صغيرها.. وفي فترة وجيزة شعر بأنها تضمه ضمة لا يملك الخلاص منها، فلوح بيده يريد النجدة، وفعلا هب صالح ، لكن الآخرين منعوه قائلين”هذه المنطقة من الكلته عميقة ومن يصلها لا ينجو هو ولا من يقترب منه، ولا نملك الان إلا الدعاء”.. ومع تزايد شعورهم بالعجز والذنب رغم ضيق الوقت ، بعثوا أحدهم ليشتد عدوا إلى القرية لطلب المساعدة، غير أن يد الموت كانت أسرع، حيث توفي الفتى الحسين غريقا، واختفى جثمانه لساعات وكأن جسده يريد أن يعوض كل ذلك الشوق إلى السباحة في “الگلته”، التي طالما تشوق إليها..
خطف الموت إذن الحسين وهو في عمر الزهور، رحمه الله وجمعه بوالدته في الجنة.
زر الذهاب إلى الأعلى