تبدو حملات الترويج للمأمورية الثالثة مظهرًا جديدًا من التنافس بين الوزير الأول المختار ولد اجاي ووزير الداخلية محمد أحمد ولد احويرثي.
ويدرك الرئيس ومعاونوه استحالة تعديل الدستور، و«ليس بينهم من يفكر أصلًا في المأمورية الثالثة»، وفق قيادي في الأغلبية.
ولعل الوزير الأول ووزير الداخلية أطلقا حملة المأمورية ليؤكد كل منهما حرصه، علنًا، على التمسك بالرئيس، بينما يبعث، في الحقيقة، برسالة مفادها: تتوفر فيّ شروط الاستخلاف.
ويعزز هذا الطرح حقيقة أن معظم المنخرطين في حملة التعديلات ينتمون إلى جناحي ولد اجاي وولد احويرثي.
فالأنشطة المبكرة للدعوة إلى المأمورية الثالثة انطلقت من لعصابة، التي ينتمي إليها وزير الداخلية، ولبراكنة، التي ينحدر منها الوزير الأول.
ويدرك الرجلان استحالة تغيير الدستور، لكن كلًا منهما يحاول التموضع في المشهد السياسي، وتقديم نفسه خليفةً قادرًا على حماية غزواني من تقلبات مرحلة ما بعد الرحيل.
وكان رئيس جهة لعصابة وبعض أطرها قد دعوا، أمام السيدة الأولى في كيفة، إلى بقاء الرئيس غزواني لمأمورية ثالثة، رغم أن الدستور لم يترك أي فرصة لبقاء الرئيس أكثر من مأموريتين.
كذلك، جرت مبادرة في لبراكنة تطالب ببقاء الرئيس لمواصلة «تعزيز المنجزات والمكاسب».
هذا عن الأمكنة.
أما عن الأشخاص، فنجد أن من أبرز الداعين إلى المأمورية الثالثة رئيس جهة لبراكنة، المحسوب على الوزير الأول، ووزيرة التجارة زينب بنت أحمدناه، الموالية لوزير الداخلية.
لكن الوضع يختلف في الحوض الشرقي، حيث لا نفوذ للرجلين؛ فقد رفض وجهاء ومنتخبون بارزون الدعوة إلى بقاء الرئيس لمأمورية ثالثة، وفق مصادر في مدينة النعمة.
وفي كوركل، لم يصفق الحضور للسياسي الدان ولد عثمان عندما دعا إلى تعديل الدستور، «ذلك أن أطر الولاية ليسوا معنيين ببقاء غزواني».
ويتزامن التنافس بين ولد اجاي وولد احويرثي مع أزمة وجودية من شأنها أن تنسف الكيان الهش لحزب الإنصاف.
ويبدو الحزب غير قادر على إجراء حملة انتساب جديدة لسببين:
الأول، أن نتائج الرئاسيات الماضية أكدت عدم مصداقية حملة الانتساب الأخيرة، حيث حصل غزواني على أصوات أقل بكثير من عدد الأفراد المنتسبين إلى الإنصاف.
وكان المفترض أن يحصل الرئيس على أصوات منتسبي الإنصاف، إلى جانب أصوات أحزاب الأغلبية الأخرى.
الثاني، الخوف من الانكشاف أمام النافذين ورجال الأعمال الذين سيتخلون عن الحزب بمجرد تأكدهم من أن الرئيس لن يبقى في السلطة، ما يهدد حظوظ الحزب في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
وهذا الوضع المتأزم جعل الحزب يرى في المأمورية الثالثة حبل نجاة، فركب موجتها ليؤخر موعد تفتته، على الأقل.
وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس غزواني سبق أن أكد احترامه للقسم والدستور والشعب، وتحدث عن عزمه تسليم السلطة لمن يختاره الناخبون في 2029، ليترك للتاريخ الحكم على فترة رئاسته.
وقال في هذا السياق: «لا يزال من مأموريتنا ما يزيد على ثلاث سنوات، وكل ما يمكنني أن أؤكده لكم هو أن أي شيء يخالف الدستور أو لا يحظى بإرادة الشعب، فلست معه. وما عدا ذلك، فإن كل ما سأركز عليه، وحتى آخر يوم من مأموريتي، هو مواصلة التقدم في تنفيذ برنامجي الذي انتخبت على أساسه».
وبهذا المعنى، فإن العهد الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية ليس عهدًا مفتوحًا على الزمن، وإنما عهد مرتبط بمسؤولية محددة المدة، وببرنامج انتُخب على أساسه.
لكن تصاعد المطالبات بمأمورية ثالثة قد يضع الرئيس أمام إشكال سياسي ودستوري، ذلك أنه أقسم على ألا يدعم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أي مبادرة تستهدف تعديل المواد المحصنة في الدستور.
ويذهب بعض الفقهاء الدستوريين إلى أن تحرك الحزب الحاكم باتجاه المطالبة بمأمورية ثالثة يمكن أن يُقرأ بوصفه ترجمة فعلية لمبادرة غير مباشرة نحو تعديل تلك المواد، ويتعزز هذا الفهم بمشاركة مقربين عائليًا من الرئيس في هذه المبادرات.
ثم إن السؤال يظل قائمًا:
ما الذي يجعل المطالبة بتمديد المأمورية مطروحة في وقت لم تبلغ فيه المأمورية الحالية منتصفها بعد؟
أليس الأصل أن يُمنح البرنامج الانتخابي كامل مدته، وأن يُقاس الإنجاز بما تحقق منه؟
أم أن هناك مؤشرات جدية على أن استكمال البرنامج خلال المدة المقررة بات أمرًا غير ممكن، مما يبرر استخدام هذا الواقع لتغيير الدستور بما يمكّن الرئيس من البقاء في المنصب؟.
زر الذهاب إلى الأعلى